
مسيرتنا الطويلة في العمل الاذاعي والتلفزيوني شكلت في ذاكرتنا أسماء صنعت ملامح الصورة، وقدّمت أعمالاً بقيت راسخة في وجدان الجمهور، ومن بين هذه الأسماء برز المخرج التلفزيوني سلام عرب، الذي شق طريقه بهدوء وثبات، متنقلاً بين التمثيل والإخراج، وبين العمل المحلي والتجارب العربية، ليصنع لنفسه تجربة متفردة امتدت لعقود. من النجف إلى بغداد، ومن الاستوديوهات البسيطة إلى منصات الإنتاج الكبرى، يروي سلام عرب تفاصيل رحلته الفنية، محطات نجاحه، صعوباته، ورؤيته لمستقبل الدراما العراقية، في حوار جديد يحمل الكثير من التأمل والخبرة.
* بدايةً نرحب بك، ونود أن نتعرف على هويتك الشخصية والفنية؟
ــ أهلاً وسهلاً بكم، أنا سلام عباس عبد الزهرة عرب، واسمي الفني سلام عرب. أحمل دبلوم إخراج سينمائي، وأنا متزوج ولدي أربعة أبناء. لقب عرب هو لقب عائلي، وقد رافقني حتى أصبح اسماً فنياً معروفاً في الوسط.
* كيف بدأت رحلتك الفنية؟
ــ كانت البداية مبكرة جداً، حيث دخلت عالم التلفزيون وأنا طالب في معهد الفنون الجميلة. عملت في قسم المنوعات مع مخرجين كبار، وكنت أصغرهم سناً، لكنني تعلمت منهم الكثير. في تلك الفترة، لم يكن الوصول إلى الإخراج سهلاً، بل يمر عبر مراحل طويلة من العمل والتقييم، وهذا ما صنع لدينا خبرة حقيقية.
* حدثنا عن نشأتك الأولى وتأثيرها على مسيرتك؟
ــ نشأت في مدينة النجف الأشرف، وهي بيئة دينية محافظة، لكنها لم تمنعني من اكتشاف شغفي بالفن. كنت أبحث دائماً عن المختلف، فذهبت إلى مراكز الشباب لتعلم الموسيقى، وشاركت في دورات لكتابة القصة والرواية. هذه التجارب المبكرة ساعدتني على تكوين وعي فني مبكر.
* هل كان التمثيل هو شغفك الأول؟
ــ نعم، التمثيل كان شغفي الأول بلا شك. شاركت في مسرحيات طلابية وأفلام سينمائية قصيرة، وظهرت في مسلسلات تلفزيونية عدة. لكن مع مرور الوقت، شعرت أن الإخراج يمنحني مساحة أوسع للتعبير، فانتقلت إليه تدريجياً.
* ما أول أعمالك كمخرج؟
ــ أول تجربة إخراجية حقيقية كانت من خلال فيلم سينمائي قصير بعنوان المستنقع، وهو عمل مأخوذ عن نص أدبي. بعدها أخرجت أول أغنية للفنان الراحل جلال خورشيد، ثم برنامج ديوان الريف الذي حقق صدى واسعاً في حينه.
* كيف دخلت إلى الإذاعة والتلفزيون بشكل رسمي؟
ــ مررت بمرحلتين، الأولى كانت العمل بالأجور أثناء الدراسة، والثانية كانت التعيين الرسمي عام 1991 كمخرج في قسم المنوعات. بعدها بدأت بإخراج العديد من البرامج والأعمال الفنية.
* ما أبرز البرامج التي عملت عليها؟
ــ هناك العديد من البرامج، منها ديوان الريف ، 59 دقيقة و عيون ، إضافة إلى تغطية مهرجانات مثل بابل الدولي والحضر، فضلاً عن نشاطات الفرقة السيمفونية العراقية وفرقة الفنون الشعبية.
* لك تجربة واسعة في إخراج الكليبات، كيف تصفها؟
ــ إخراج الكليبات كان من أكثر الأعمال التي استمتعت بها، فقد أخرجت أعمالاً لعدد كبير من الفنانين العراقيين والعرب مثل سعدون جابر، ياس خضر، حميد منصور، وفريدة محمد علي وغيرهم. بعض هذه الأعمال تم تصويره خارج العراق، ما أضاف لي خبرة كبيرة.
* حدثنا عن برنامج نغم عراقي ؟
ــ نغم عراقي، كان تجربة توثيقية مهمة جداً، أُنتج عام 2004، واعتمد على استضافة شخصيات موسيقية كبيرة، مع التركيز على الأرشفة الفنية. كان العمل عليه صعباً بسبب قلة المواد الوثائقية، لذلك اكتفينا بـ15 حلقة، لكنها كانت ذات قيمة عالية.
* هل عملت في الإنتاج أيضاً؟
ــ نعم، بعد عام 2000 أسست شركة المدى للإنتاج التلفزيوني، وأنتجت العديد من البرامج، منها دعاء القلوب . كما أسست شركة في سوريا، وعملت مع قنوات عدة مثل السومرية والبغدادية.
* ماذا عن تجربتك في الإذاعة؟
ــ كانت لدي تجارب مهمة في الإذاعة، حيث أنتجت مسلسلات مثل قصص الأنبياء وأسواق العرب، إضافة إلى أعمال شعرية وتراثية. لكن التلفزيون أخذ الحيز الأكبر من اهتمامي.
* يقال إنك هادئ جداً في العمل، هل هذه صفة مقصودة؟
ــ العمل الفني يحتاج إلى هدوء وتركيز. أنا بطبيعتي أحب العمل بصمت، وأؤمن أن النجاح يتحدث عن نفسه، وليس الضجيج الإعلامي.
* كيف أثرت تجربتك خارج العراق عليك؟
ــ العمل خارج العراق، خاصة في الأردن وسوريا ومصر، أضاف لي الكثير. الاحتكاك بفنيين محترفين ساعدني على تطوير أدواتي، خاصة في ظل الظروف التي كانت تعيشها الساحة الفنية العراقية.
* هل تختار أعمالك أم تُكلف بها؟
ــ غالباً أشارك في اختيار العمل منذ بدايته، وأعتبر نفسي شريكاً في صياغة الفكرة. المخرج هو الكاتب الثاني، ويجب أن يكون هناك تفاهم كامل بينه وبين الكاتب.
* ما أبرز الصعوبات التي تواجه الدراما العراقية؟
ــ المشكلة الأساسية هي غياب المنتج الحقيقي. لدينا منتجون منفذون فقط، لكن لا يوجد تسويق حقيقي للأعمال. السوق العراقي محدود، وهذا يعيق انتشار الدراما خارجياً.
* حدثنا عن تجربتك مع MBC عراق؟
ــ كانت تجربة مهمة جداً في حياتي. بدأت كمشرف فني على مسلسل أحلام السنين ، ثم شاركت في أعمال أخرى مثل طيبة وبنات صالح. العمل مع فريق محترف أعطاني خبرة كبيرة، خاصة في إدارة العمل من الفكرة حتى العرض.
* ماذا تعلمت من هذه التجربة؟
ــ أهم ما تعلمته هو العمل بروح الفريق، واختيار الكادر المناسب، إضافة إلى أهمية الكاستنغ في نجاح أي عمل درامي.
* هل لديك حضور في الصحافة؟
ــ بصراحة أنا قليل الظهور الإعلامي، وأفضل أن يتحدث عملي عني. لا أشعر بالحاجة إلى الترويج لنفسي بقدر ما أهتم بجودة ما أقدمه.
* كيف وجدت مشاركتك في ملتقى الإذاعيين والتلفزيونيين؟
ــ كانت تجربة جميلة ومؤثرة، خاصة أنها أعادتني إلى ذكريات مع زملاء قدامى، وكان يوماً مميزاً في مسيرتي.
* هل حصلت على جوائز؟
ــ نعم، حصلت على جائزة عربية عن مسلسل أولاد الحلال إضافة إلى العديد من الشهادات التقديرية.
* هل هناك أعمال قادمة؟
ــ أفضل عدم الحديث عن الأعمال قبل إنجازها، لأنني أؤمن أن العمل يجب أن يُقدم جاهزاً للجمهور.
* مَن المخرج الذي أثر فيك؟
ــ لا أحب ذكر أسماء محددة، لكن هناك شبابا موهوبين اليوم، وأتمنى لهم النجاح، وأن يطوروا أنفسهم باستمرار.
* كلمة أخيرة؟
ــ أشكر صحيفة الزوراء على هذا الحوار المختلف، وأتمنى التوفيق للجميع في خدمة الفن العراقي.
الخلاصة:
بهذا الهدوء الذي يميز شخصيته، يختتم سلام عرب حديثه للزوراء ، مؤكداً أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى صخب، بل إلى عمل متواصل ورؤية واضحة. تجربة تمتد لسنوات طويلة، صنعت اسماً حاضراً في ذاكرة الشاشة العراقية، وما زالت تواصل البحث عن صورة أجمل.