رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
شيــــخ العشــيرة والفــلاح في الدولــة العراقيـــة


المشاهدات 1041
تاريخ الإضافة 2026/05/24 - 9:42 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 10:55 PM

كتاب: الشيخ والفلاح في العراق 1917–1958 تأليف: حنا بطاطو
يُعد هذا العمل من أقدم وأهم الدراسات السوسيولوجية–التاريخية عن المجتمع العراقي الحديث، وفيه يحاول حنا بطاطو تفكيك البنية العميقة للريف العراقي وعلاقات السلطة داخله، عبر دراسة العلاقة بين الشيخ العشائري والفلاح خلال مرحلة تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
لا ينظر بطاطو إلى الشيخ بوصفه زعيمًا قبليًا تقليديًا فقط، بل باعتباره مركزًا سياسيًا واقتصاديًا تشكّل ضمن ظروف تاريخية معقدة ربطت بين:
الاحتلال البريطاني،
الدولة الملكية،
نظام ملكية الأرض،
وضعف المدينة العراقية،
وتبعية الفلاحين.
والكتاب ليس مجرد دراسة عن العشائر، بل تحليل جذري لكيفية تشكّل السلطة الاجتماعية في العراق الحديث، وكيف ساهمت بنية الريف في إنتاج الاستبداد والتفاوت والهجرة والاضطراب السياسي.
ويرى بطاطو أن سلطة الشيخ في العراق لم تكن بقايا تقاليد قبلية قديمة فقط، بل نتاجًا تاريخيًا ارتبط بتفكك المدينة، ونظام الأراضي، وتحالف الدولة مع كبار الملاّك والشيوخ.

ويجادل بأن السيطرة على الأرض كانت الأساس الحقيقي للهيمنة السياسية والاجتماعية، إذ تحوّل الشيخ تدريجيًا من قائد عشائري إلى إقطاعي محلي يملك النفوذ الاقتصادي والسلطة السياسية معًا، بينما أصبح الفلاح تابعًا اقتصاديًا واجتماعيًا داخل نظام شديد اللامساواة.
ومن هنا، يفسر بطاطو كثيرًا من أزمات العراق الحديثة — مثل الهجرة الريفية، والاضطراب السياسي، وضعف الطبقة الوسطى — بوصفها نتائج مباشرة لهذا البناء الاجتماعي المختل.
يفتتح بطاطو الدراسة بتحليل المكانة المركزية للشيخ في المجتمع العراقي الريفي، موضحًا أن الشيخ لم يكن مجرد زعيم عشائري، بل وسيطًا بين:
الدولة والعشيرة،
الريف والمدينة،
السلطة والفلاحين.
ويُظهر كيف امتلك الشيخ سلطات متعددة:
اقتصادية،
قضائية،
اجتماعية،
وحتى عسكرية أحيانًا.
يتتبع الكاتب الأصول التاريخية لنفوذ الشيوخ، موضحًا أن هذه السلطة تطورت بفعل:
ضعف الدولة العثمانية،
الحاجة إلى الأمن،
وتحكم الشيوخ بالمياه والأرض والسلاح.
فالسلطة العشائرية لم تكن ثابتة، بل نمت تاريخيًا مع تراجع المركز السياسي.
.يشرح  بطاطو كيف أدى ضعف المدن العراقية اقتصاديًا وإداريًا إلى توسع نفوذ الريف والشيوخ.

فالمدينة العراقية — بخلاف مدن أوروبا — لم تنجح في إنتاج برجوازية قوية قادرة على تحدي البنية الإقطاعية، مما سمح للشيوخ بتعزيز نفوذهم السياسي والاجتماعي
ورغم محاولات التحديث، بقيت سلطة الشيخ قوية بسبب:
ضعف مؤسسات الدولة،
استمرار الأمية،
واعتماد الريف على الزعامة التقليدية.
يحلل بطاطو مرحلة الاحتلال البريطاني والدولة الملكية، حيث ظهر “الشيوخ الجدد” الذين جمعوا بين:
النفوذ العشائري،
والملكية الزراعية الواسعة،
والعلاقات مع السلطة السياسية.
ويرى أن الدولة العراقية الحديثة أعادت إنتاج البنية التقليدية بدل تجاوزها، فتحول كثير من الشيوخ إلى طبقة سياسية حاكمة.
يؤكد بطاطو أن ملكية الأرض كانت جوهر السلطة الحقيقية.
فمن يملك الأرض:
يملك العمل الزراعي،
ويسيطر على الفلاح،
ويتحكم بالإنتاج،
ويؤثر في السياسة المحلية.
لذلك، فإن فهم العراق الريفي يمر عبر فهم نظام الملكية الزراعية.
يربط الكاتب بين مصالح الشيوخ الاقتصادية ومواقفهم السياسية.
فالشيوخ دعموا السلطة حين حافظت على امتيازاتهم،
وعارضوها عندما هددت مصالحهم.
ومن هنا يفسر بطاطو كثيرًا من التحالفات والانقلابات والسياسات العراقية بوصفها انعكاسًا للبنية الزراعية والإقطاعية.
يشرح كيف أدى نظام الأراضي إلى تكريس التبعية الاجتماعية للفلاحين.
فالشيخ لم يكن مالكًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح:
مرجعًا اجتماعيًا،
وحاميًا،
ومصدرًا للرزق،
وأداة للضبط السياسي.
وبذلك استمرت المؤسسة الشيخية حتى داخل الدولة الحديثة.
ادت النتائج الاجتماعية للنظام الريفي، الى الفقر،
والديون،
وغياب العدالة،
والاستغلال الزراعي.
وقد دفعت هذه الظروف أعدادًا كبيرة من الفلاحين إلى الهجرة نحو المدن، مما ساهم في تشكل أحياء الفقر والاضطرابات الاجتماعية لاحقًا.
يختم بطاطو بتحليل أوضاع الأرض الزراعية وتوزيعها، موضحًا حجم التفاوت الطبقي الهائل بين:
كبار الملاّك،
والفلاحين المعدمين.
ويرى أن استمرار هذا الوضع جعل الإصلاح الزراعي ضرورة تاريخية لا مجرد خيار سياسي.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يكشف أن أزمات العراق الحديثة ليست مجرد أزمات سياسية عابرة، بل لها جذور اجتماعية عميقة مرتبطة بـ:
ملكية الأرض،
والعلاقات الطبقية،
وتحالف السلطة مع البنية التقليدية.
ويُظهر بطاطو أن الدولة الحديثة قد تحمل مؤسسات جديدة، لكنها قد تعيد إنتاج البنى القديمة إذا لم تتغير العلاقات الاجتماعية نفسها.
فالشيخ في هذا الكتاب ليس مجرد شخصية عشائرية، بل رمز لبنية سلطة كاملة تشكلت حول:
الاحتكار،
والتبعية،
وغياب العدالة الاجتماعية.
يُعد “الشيخ والفلاح في العراق” دراسة تأسيسية لفهم المجتمع العراقي الحديث من زاوية البنية الريفية والعلاقات الطبقية. يكشف بطاطو كيف تشكلت سلطة الشيوخ عبر الأرض والتحالف مع الدولة، وكيف أدى ذلك إلى تكريس التفاوت الاجتماعي وإضعاف التنمية السياسية.
إنه كتاب لا يدرس الماضي فقط، بل يساعد على فهم كثير من أزمات العراق اللاحقة، من الهجرة والاضطراب السياسي إلى هشاشة الدولة الحديثة نفسها.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير