رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
خالد سعيد.. رائد مسرحي وواحد من القامات الأكاديمية البارزة في العراق


المشاهدات 1421
تاريخ الإضافة 2026/06/06 - 9:22 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 8:38 PM

المسرحي العراقي واستاذ التمثيل والإخراج في معهد الفنون الجميلة الفنان خالد سعيد، يُعد واحدًا من القامات الأكاديمية والمسرحية البارزة في العراق. ارتبط اسمه بشكل وثيق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، حيث تخرجت على يديه أجيال متعاقبة من الفنانين والممثلين العراقيين الذين رفدوا الساحة الفنية بالإبداع...


ولد الفنان الراحل خالد سعيد في أربعينيات القرن الماضي، وشغف بالمسرح منذ صغره. التحق بمعهد الفنون الجميلة ببغداد وتخرج منه، ثم واصل دراسته الأكاديمية ليتخصص في الفنون المسرحية (الإخراج والتمثيل).
عُين أستاذًا في معهد الفنون الجميلة ببغداد (قسم الفنون المسرحية).. لم يكن مجرد مدرس للمادة العلمية، بل كان موجهًا وأبًا روحيًا للطلبة. عُرف بأسلوبه الأكاديمي الصارم والمحبب في آن واحد، وقدرته على اكتشاف المواهب الشابة وصقلها.
شخصيته تميز بالثقافة الواسعة، والالتزام بقضايا الإنسان والوطن، والابتعاد عن الأضواء والمسارح التجارية، مفضلاً التركيز على العطاء الأكاديمي والمسرحي الرصين. تنوعت عطاءات خالد سعيد بين الإخراج المسرحي، التمثيل، والكتابة والبحوث الأكاديمية: ففي المسرح (إخراجًا وتمثيلاً) كان خالد سعيد ينتمي إلى مدرسة المسرح الجاد والتجريبي، وشارك في العديد من المهرجانات المحلية والعربية.
من أبرز ملامح عمله إخراج المسرحيات العالمية والعربية: أخرج العديد من العروض المسرحية لطلبة المعهد وللفرقة القومية للتمثيل، والتي ركزت على نصوص شكسبير، وبريخت، وتشيخوف، بالإضافة إلى نصوص محلية عراقية.
وفي التمثيل المسرحي: شارك كممثل في عدد من العروض التي تميز فيها بصوته الجهوري وحضوره الركحي القوي وقدرته العالية على التعبير الحركي والجسدي.
رغم أن المسرح والأكاديمية كانا بيته الأول، إلا أن له مشاركات مميزة في الدراما التلفزيونية العراقية، حيث جسد أدواراً شخصت في ذاكرة المشاهد العراقي، وغالبًا ما كانت أدوارًا لشخصيات مركبة، أو شخصيات تاريخية وثقافية نظراً لفصاحته وحضوره.
في الجانب الأكاديمي والتدريسي أشرف على عشرات مشاريع التخرج لطلبة معهد الفنون الجميلة والتي تحولت لاحقاً إلى عروض مسرحية ناضجة. كما ساهم في وضع وتطوير المناهج الدراسية الخاصة بمادة التمثيل والإخراج في المعهد. ورفد المكتبة المسرحية ببحوث ومقالات نقدية تخصصية.
كان معهد الفنون الجميلة في بغداد، الذي يعد من أعرق المؤسسات الفنية في العالم العربي وعمل فيه خالد سعيد معلما واستاذا للمسرح منذ عودته من خارج العراق وحتى تقاعده ، بيتا للفن منذ تأسيسه على يد الرائد جواد سليم وزملائه في ثلاثينيات القرن الماضي، ونخبة من كبار الأساتذة والفنانين الذين تركوا بصمة واضحة في الحركة التشكيلية، والمسرحية، والموسيقية العراقية ، والعربية.
يمكن تصنيف أساتذة المعهد إلى جيلين رئيسيين: جيل الرواد والمؤسسين (تاريخي)
هؤلاء هم العمالقة الذين وضعوا اللبنات الأولى للمعهد وأشرفوا على تأسيس أقسامه المختلفة:
جواد سليم: مؤسس فرع النحت، وصاحب نصب الحرية الشهير.
فائق حسن: مؤسس فرع الرسم، ومن أبرز رواد الفن التشكيلي العراقي.
حقي الشبلي: رائد الحركة المسرحية ومؤسس قسم المسرح في المعهد.
الشريف محي الدين حيدر: الموسيقار القدير الذي أسس القسم الموسيقي وصاحب الفضل في تطوير عازفي العود والكمان في العراق. خالد الرحال ومحمد غني حكمت: من عمالقة النحت العراقي الذين تخرجوا من المعهد ثم درسوا فيه.
وعلى مدى العقود الماضية وحتى اليوم، تناوب على التدريس في المعهد عشرات الفنانين الأكاديميين في مختلف الاختصاصات، والذين يتوزعون على الأقسام التالية: أكاديميون متخصصون في تاريخ الفن والنقد الجمالي.
ففي قسم الفنون المسرحية (تمثيل، إخراج، تقنيات) أشرف على هذا القسم قامات مسرحية كبيرة قدمت للمعهد وللدراما العراقية الكثير، ومنهم: إبراهيم جلال ، بدري حسون فريد، جعفر السعدي، بهنام ميخائيل، وأسعد عبد الرزاق. وخالد سعيد، وقد استمر المعهد برفد الساحة بأساتذة مخرجين وممثلين أكاديميين يجمعون بين الدراسة النظرية والعمل المسرحي اليومي.
كذلك تضم ملاكات تدريسية متقدمة تتابع أحدث التقنيات الرقمية والبصرية لتعليم الطلاب فنون الإعلان، التصميم الداخلي، الخط العربي الكلاسيكي، وفنون الإخراج السينمائي والتلفزيوني.
تمتد علاقة الفقيد بمعهد الفنون الحميلة منذ نهاية الخمسينيات حين كان طالبا في القسم المسائي ومعه فاضل قزاز ، عَبَد الوهاب الدايني ، قاسم محمد ، عبد الله جواد، رحمهم الله جميعا ، والفنان وقاسم حول اطال الله في عمره.
غادر خالد سعيد الى شيكاغو للالتحاق بمعهد كودمان ثيتر، وهو المعهد الذي تخرج منه ابراهيم جلال وجاسم العبودي وجعفر السعدي وحسن الناظمي وبهنام ميخائيل، فيما غادر قاسم محمد وفاضل قزاز الى موسكو وعبد الله جواد وَعَبَد الوهاب الدايني الى إيطاليا، وقد قدر الله ان هذه النخبة بعد تخرجهم يلتقون مجددا كأعضاء في الهيئة التدريسية بمعهد الفنون الجميلة وفِي قسم الفنون المسرحية والسينمائية حصرا إبان النصف الثاني من الستينات.
حينما يشار الى المدرسة الأخلاقية بالمسرح العراقي ولأجيال مختلفة لابد ان يذكر خالد سعيد المعلم والفنان بالمسرح العراقي، كونه مربيا فاضلا، رسخ مبادئ احترام المسرح واعتباره شيئا مقدسا في الحياة، ولأنه تعلم من رواد المسرح الكبار، ونقلها الى طلابه في الانضباط واحترام الواجب والانصياع لأوامر المعلم والمخرج على حد سواء ، والالتزام بكامل قواعد العمل في المسرح، لذلك يعد الفنان الأستاذ خالد سعيد من جيل شذب الشوائب وسعى الى مسرح أخلاقي لطلابه لأنه من المتخصصين في الإخراج والتمثيل المسرحي.
 وله علاقة وثيقة بالحركة الفنية، ولاسيما الحركة المسرحية التي انتعشت بسبب اهتمامه بالمسرح الطلابي الجيل الناهض بمسؤوليته اتجاه بلده فغرز روح الوطنية عبر الاعمال التجريبية التي كانت تقدم على مسرح قاعة معهد الفنون الجميلة.
كان خالد سعيد يرى في مسرح معهد الفنون الجميلة عالمه المدهش لا تعيش فيه الريبة ولا تتخلله التشنجات ولا يمارس فيه التسطيح ولا يغدو مكانا للضجر او يضج بالتهكمات.. هو مسرح لا يلهو فيه الانسان، او مسرح يزاول فيه الطلبة الممثلون كل التفاهات.. انه يريده مسرحا ممتعا بكل ما تعنيه الكلمة من معان.. نعم، مسرح يرتقي بالمشاعر الانسانية ويصل بالإنسان الى اعلى درجات الاحساس والالم والفرح والانفعالات الحية.. انه يريده مسرحا يجيب عن أسئلة الحرية المتعددة بشقيها الذاتي والموضوعي.. الفردي والاجتماعي بكل ما يمنحه العالم للمسرح وابنائه من حرية الفن واستقلاليته التي تشكل في زمننا المعاصر سؤالا تصعب الإجابة عليه.
كما يعد الفنان المجيد خالد سعيد من جيل الرواد الذين جمعوا بين الممارسة العملية والدراسة الأكاديمية الرصينة.. عمل أستاذًا لمادة التمثيل في معهد الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وتتلمذت على يديه أجيال من الفنانين العراقيين الذين أصبحوا نجومًا لاحقًا.. كان معروفًا بدقته المتناهية في تدريس «منهج ستانسلافسكي» وكيفية بناء الشخصية من الداخل إلى الخارج.
ومع البدايات المبكرة في الإخراج المسرحي في معهد الفنون الجميلة كانت بسيطة للغاية، إذ يقوم الأساتذة المخرجون بكل شيء من إعداد النص واختياره والتمثيل وتصميم الديكور وفقا للتصورات العامة، ولم يكن هناك تصور واضح ودقيق للأحداث والشخصيات وبنائها وغياب ذلك التوافق بين الكلمة والحركة، إذ كانت الخطابية هي الطريقة السائدة والحركات.
ويفضل التلاقح الفني بين الفرق المسرحية المحلية والعربية من خلال الزيارات المتبادلة في تقديم العروض المسرحية بالمعهد وخارجه، ورجوع الطلبة الدارسين من الخارج أدى الى إرساء قواعد جديدة في الأداء المسرحي. 
ويقف المخرج الرائد الأستاذ حقي الشبلي على رأس القائمة، حيث اهتم بالتقنية الخارجية للشخصية (علم الهيئة) بوصفه عنصراً مهماً، ويعد هذا المظهر ومتغيراته هو منطق التمثيل والذي يؤثر في سلوك الشخصية ومن ثم توصيل المعنى الى المتلقي فضلا عن تشدده في هيئة وقوف الممثل وطريقه ، وحركته ، وجلوسه ، ويأتي بعد ذلك تحليل لدواخل الشخصية وتكوينها النفسي كعملية لاحقة للمظهر الجسدي الخارجي فضلا عن الصوتي. 
 وكان الشبلي معلما ملهما لطلبته بالمعهد ومنهم الرواد الأوائل الذين نقلوا لأجيال من المدرسين خالد سعيد، فيقوم بتسمية الممثلين الذين يؤدون الأدوار ، ويضع الحركة على المسرح والخطة الإخراجية بعد شرح بسيط للمشهد والشخصيات، وغالباً ما تكون خطته الإخراجية معدة مسبقاً مما تأخذ الحركات والإشارات والإيماءة والتعبيرات الجسدية والصوتية مكانها الثابت وما على الممثل إلا تنفيذها وبدون أي تغير أو تبديل، وكان أساتذة المسرح يهتمون بالنطق الصحيح والحركة الرشيقة. لهذا توطدت علاقة الفنان والأستاذ خالد سعيد بكل طلبته وزملائه التدريسين فقد عرف طيبا متعاونا ايام الدراسة أواخر الخمسينيات ومن شدة تواضعه لم يكن يحب ان يشير أحد الى شقيقه أحد ضباط قادة ثورة تموز ١٩٥٨ وقائد الفرقة الاولى في الجيش العراقي المرحوم خليل سعيد.
شارك الفنان خالد سعيد في المهرجان الاول ليوم المسرح العالمي (الذي نظمه المركز العراقي للمسرح عام١٩٧١) باسم فرقة اتحاد الفنانين بمسرحية معدة عن قصة قصيرة من الادب التشيكي المقاوم تحكي مقاومة التشيك للاحتلال النازي وكان عنوان المسرحية «حدث في حي كبوليس» .
 كان الفنان خالد سعيد وفيا لأصدقائه حيث طبع على الرأي والنقاش المسرحي فكان يلتقي مع أصدقائه طه سالم وفاضل قزاز والمرحوم سامي تيلا وَعَبَد الوهاب الدايني يوميا في نادي المالية بموعد ثابت للنقاش وتوطيد علاقتهم الرائعة ببعض .
يقول زميله الدكتور عبد الاله كمال الدين أستاذ مادة تاريخ المسرح في معهد وكلية الفنون الجميلة: كانت حماسة خالد سعيد للعمل في المسرح مخرجا وممثلا وهو الذي سجل نجاحا في مجال الإخراج عبر عدد من المسرحيات الرائعة وفِي مقدمتها سرحان بشارة سرحان (تأليف مانوئيل رسّام والد شميم رسّام) وورد جهنمي لطه سالم الخ ... كان اخر لقاء لي بالمرحوم عام ٢٠٠٧ في عمان، صدفة وانا أتجول في سوق الخضار وسط البلد احتضنته بقوة ولاحظت حالة الشرود في عينيه بسبب بداية معاناته من الزهايمر.. تابعت حالته الصحية من خلال عدنان الحسيني اولا بأول الى ان صدمني خبر وفاته، صديقي خالد سعيد وداعا وستبقى في ذاكرة أصدقائك وطلابك حيّا مدى الدهر.
وهذه تفصيل ومعلومات حول المسرحيات والشخصيات التي اخرجها الفنان والتدريسي خالد سعيد مسرحية «سرحان بشارة سرحان»، التأليف والإخراج: كتبها وأخرجها الفنان الراحل مانوئيل رسّام (وهو والد المخرجة العراقية المعروفة شميم رسّام). الفكرة: المسرحية تتناول قصة الشخصية الحقيقية «سرحان بشارة سرحان» (المواطن الفلسطيني الذي اتُّهم باغتيال روبرت كينيدي عام 1968). تم تقديم العمل برؤية درامية وسياسية تحاكي الواقع العربي والقضية الفلسطينية في تلك الحقبة.
 المسرحية الثانية التي اخرجها خالد سعيد كانت مسرحية «ورد جهنمي» تأليف: الكبير طه سالم والذي كتبها سنة 1967 وقدمت سنة 1969. وكتب عنها الكاتب المسرحي يوسف العاني يقول: «انني امام مسرحية ومسرحي يأخذان درباً جديداً في سياق مسرحنا العراقي.. وان الجديد فيها انها تخالف المألوف الشائع آنذاك». فيما علق الناقد (حميد رشيد) على عرض المسرحية قائلاً: «شهدتها في يومها الاخير على المسرح، رجلاً بغدادياً اسمه – طلبة.. وعندما خرجت من المسرح شعرت ان طلبة ليس وحيداً. كان معنا في مقاعد المتفرجين، وكان في داخل كل منا انا ايضا طلبة مثله والاخرون الذين شاهدوه وفهموه خرجوا وكلهم طلبة.. ذلك انه ليس رجلاً من بغداد فحسب، بل رجل من العالم انه في الواقع هبة بغداد للعالم».
وتعد أيام معهد الفنون الجميلة ثمرة اهتماماته في هذا التخصيص، حيث تأثر بالكاتب العربي (توفيق الحكيم) لاسيما مسرحية (أهل الكهف) «استدرجت طه سالم في عام 1947 مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم إلى مصير مسرحي محتم حينما أذهلته خيمة مرسومة مثل كهف على مسرح متوسطة الفيض التي يمثل فيها فخري الزبيدي وصادق الاطرقجي، هذان الممثلان كانا يبدوان إليه وكأنهما كائنات عجيبة يستحيل العثور على أشباهها في الحياة، استنفرت هذه المسرحية قدراته على التخيل بعوالمها السرية الملغزة».
ربما يؤسفنا ان تغيب عن الباحث والمؤرشف العراقي وحتى العربي سيرة الفنان المجد خالد سعيد وهذا نقص يتحمله من كان يتصدى لتوثيق اعمال وسير الفنان الكبار اكانوا ممثلين او مخرجين او أساتذة بمعهد وكلية الفنون الجميلة .. ورغم الدور الكبير والاجيال التي تخرجت من تحت عباءة الفنان القدير خالد سعيد، لكن لا في المعهد الذي كان بيته وكنز ثروته الفنية تجد ما يحفظ له سجلا مشرقا .. وهذا تقصير ليس فقط للفنان خالد سعيد، بل لفنانين كبار مروا بمعهد الفنون الجميلة المؤسسة التربوية والفنية الشامخة .
لقد غيّب الموت الفنان والأستاذ خالد سعيد عام 2007 بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفني والتربوي. فترك رحيله فراغاً كبيراً في الأوساط الأكاديمية والمسرحية العراقية، ونعاه المئات من تلامذته الذين أصبحوا اليوم نجومًا في الساحة الفنية العراقية والعربية، مستذكرين دائماً نصائحه وتأثيره العميق في تشكيل وعيهم الفني والإنساني. ونتطلع الى أن تُقام في معهد الفنون الجميلة، وبانتظام، جلسات استذكارية للاحتفاء بمسيرته وبصمته الخالدة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير