رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
النداف .. ذاكرة القطن الحي


المشاهدات 1330
تاريخ الإضافة 2026/06/07 - 9:08 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 8:31 PM

لم تكن زيارة محل النداف في الماضي أمرا عابرا بل كانت طقسا من طقوس الفرح لا يكتمل تجهيز أي عريس وعروس من دونه، وكانت الأمهات يعدن تلك الزيارة ضرورة لا تقل أهمية عن بقية مستلزمات البيت الجديد حيث القطن رمز الدفء والراحة وحيث صوت النداف جزء من ذاكرة البيوت العراقية.
مهنة الندافة واحدة من المهن التي التصقت بالتراث ورافقت تفاصيل الحياة اليومية لكنها اليوم تقف على حافة الغياب بعد أن زاحمتها المفروشات الحديثة المصنوعة من الاسفنج والمستوردة من بلدان عدة حتى غطت السوق وأضعفت الحاجة إلى المنتج المحلي.
مع هذا التحول بدأ التراجع واضحا، فالمكائن التي كانت تباع بكثرة لم يعد لها ذلك الرواج وكذلك القطن بأنواعه، إذ ترك كثير من أصحاب هذه المهنة أعمالهم واتجهوا إلى مهن أخرى بعد أن فقدت الندافة مكانتها التي كانت تضمن لصاحبها عيشا كريما.. النداف القديم الذي ما زال متمسكا بمهنته منذ ثمانينيات القرن الماضي يستعيد تلك الأيام حين كانت الندافة مصدر رزق وفير، ويشير إلى أن التحول بدأ مع دخول المنتج الخارجي الأرخص ثمنا فالشباب اليوم يفضلون المفروشات الجاهزة من الاسفنج بسبب ارتفاع أسعار القطن المعروف (باللوكه)، وهو من أجود أنواع القطن العراقي.
ورغم محاولاته ترك المهنة أكثر من مرة إلا أنه يعود إليها مدفوعا بحبه لها وبفشل تجارب أخرى خاضها بعيدا عنها، وكأنها قدر لا يمكن الفكاك منه. في حي الطوبجي يروي أبو محمد، وهو نداف قديم، تفاصيل المهنة فيقول: إن العمل كان يبدأ بطريقة بدائية لحلج القطن باستخدام دولاب يدوي يفصل الشعيرات عن البذور، فتستعمل الشعيرات وتعرف باللوكه، أما البذور فيستفاد منها كعلف للجاموس، وكانت هذه العملية تقوم بها النساء في البيوت الريفية قبل أن تختفي مع دخول مكائن الحلج الحديثة في ستينيات القرن الماضي. أما أدوات النداف فهي بسيطة لكنها تحمل خبرة طويلة إبرة وكشتبان وشمع عسل وخيوط، وبين هذه الأدوات تنسج الحكايات كما تنسج الفرش.
ويشير أبو محمد إلى أن شهري محرم وصفر يشهدان ركودا في العمل بسبب قلة الأعراس حيث ترتبط المهنة بمواسم الفرح. كما يؤكد أن الندافة من المهن التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء وقد تعلمها هو من أخيه الأكبر الذي تركها منذ سنوات.
هكذا تبقى الندافة ذاكرة حية تختزن أصوات الماضي وملامح البيوت القديمة.. مهنة تتراجع لكنها لا تنطفئ تماما ما دام هناك من يتمسك بخيوطها، ويؤمن بأن للقطن روحا لا تعوضها مصانع العالم.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير