رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين تصبح الثروة أسرع من الراتب تبدأ الجريمة


المشاهدات 1178
تاريخ الإضافة 2026/06/08 - 10:34 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 8:38 PM

ليست قلة الأموال هي ما يُسقط الدول، بل الطريقة التي تُدار بها تلك الأموال. فكم من دولة امتلكت ثروات هائلة، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن تحقيق التنمية لأن المال العام كان يتسرب بهدوء عبر منافذ الفساد.
والأخطر أن الفساد لا يظهر دائماً بصورة الرشوة أو الاختلاس المباشر، بل قد يتخفى خلف إجراءات قانونية ونصوص تبدو سليمة شكلياً، فيما تُستغل عملياً لتحقيق منافع خاصة على حساب المصلحة العامة.
لهذا فإن مكافحة الفساد لا تبدأ بإطلاق الحملات الإعلامية أو تشديد العقوبات فحسب، بل تبدأ من بناء أنظمة لا تسمح بحدوث الفساد من الأساس. 
فالمشكلة الحقيقية في كثير من الأحيان ليست في الأشخاص، بل في وجود ثغرات تمنحهم فرصة الإفلات من الرقابة والمساءلة.
لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن الحملات التقليدية لمكافحة الفساد غالباً ما تفشل عندما يكون المسؤول قادراً على إخفاء ثرواته أو تسجيلها بأسماء آخرين، أو عندما تكون البيانات المالية مشتتة وغير مترابطة. عندها يصبح اكتشاف الفساد أكثر صعوبة، مهما كانت النوايا صادقة.
الحل يكمن في إنشاء منظومة رقابية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا والربط الذكي بين قواعد البيانات الحكومية، بحيث يمكن تتبع حركة الأموال والأصول والعقارات والمركبات والحسابات المالية، والكشف عن أي تضخم غير مبرر في الثروة مقارنة بالدخل الحقيقي للفرد.
كما أن الشفافية في العقود والمناقصات الحكومية لم تعد خياراً، بل ضرورة. فكل عقد يجب أن يكون متاحاً للرقابة العامة، وكل منافسة يجب أن تُدار عبر منصات إلكترونية معلنة تكشف الشروط والأسعار والجهات الفائزة أمام الجميع، لأن الضوء هو العدو الأول للفساد.
وفي عصر التحول الرقمي، تصبح كل معاملة أثراً لا يمكن إنكاره. 
فالنظام الإلكتروني يسجل كل خطوة وكل قرار وكل تعديل، ويحدد المسؤولية بدقة، مما يجعل التلاعب أكثر صعوبة ويعزز من كفاءة الرقابة والمحاسبة.
ولا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد دون حماية من يكشفه. فالكثير من قضايا الفساد تبقى مجهولة ليس لعدم وجود الأدلة، بل لأن أصحابها يخشون العواقب. 
لذلك فإن توفير الحماية القانونية والوظيفية للمبلغين يمثل أحد أهم أركان الإصلاح الحقيقي.
إن الدول الناجحة لم تنتصر على الفساد لأنها تمتلك قوانين أشد قسوة، بل لأنها بنت مؤسسات وأنظمة تجعل الفساد مهمة شبه مستحيلة. 
فالقوة الحقيقية للدولة لا تكمن في ملاحقة الفاسدين بعد وقوع الجريمة، بل في منع الجريمة قبل أن تبدأ.
أما في العراق، فإن أي مشروع للإصلاح أو التنمية سيبقى ناقصاً ما لم يُبنَ على أساس الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فحين يشعر المواطن بأن القانون يُطبق بعدالة، وأن المال العام مصان، وأن الفرص تُمنح وفق الاستحقاق لا النفوذ، عندها فقط يمكن الحديث عن نهضة حقيقية ومستدامة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير