
دعا زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، المعتقل منذ 26 عامًا، الحكومة التركية إلى لعب دور فاعل وتيسيري في تسهيل الوصول إلى اتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، وفق ما نقل حزب المساواة وديمقراطية الشعوب التركي المؤيد للأكراد.
وجاءت الرسالة ، عشية انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ الاتفاق المبرم مع السلطات السورية لحسم ملف شمال وشمال شرق سوريا.
وأشار أوجلان في رسالته إلى أن تركيا يمكن أن تكون عاملاً رئيسياً في تعزيز السلام الإقليمي واستقرارها الداخلي عبر تيسير الحوار بين الأطراف المعنية.
وعد أن تطبيق بنود الاتفاق، الذي وقع في 10 مارس الماضي بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحكومة دمشق، سيُساهم في إقامة نموذج سياسي ديمقراطي يتيح للشعوب المحلية إدارة شؤونها بنفسها، مع إدماج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في المؤسسات الوطنية بحلول نهاية العام.
إلا أن التباين في وجهات النظر بين الطرفين حال دون إحراز تقدم ملموس حتى الآن، على الرغم من الضغوط الأميركية التي لعبت دورًا رئيسيًا في دفع العملية السياسية قدماً.
ويبرز التحدي الأكبر في مسألة اللامركزية، وهو مطلب أساسي للإدارة الذاتية الكردية، بينما ترفض الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع أي تنازل جوهري عن سيادة الدولة المركزية.
وتسيطر الإدارة الذاتية الكردية، المدعومة من الولايات المتحدة، على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز في البلاد.
وتشكّل قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكري للإدارة، رأس الحربة في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وتمكنت من دحر التنظيم من آخر معاقله عام 2019، ما جعلها لاعبًا أساسيًا في المشهد العسكري والسياسي السوري.
وأكد قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، ، أن قواته تبذل قصارى جهدها لتجنب فشل الاتفاق مع دمشق، مشددًا على أهمية استمرار الحوار وتطبيقه بما يضمن حماية المكتسبات السياسية والعسكرية للأكراد.ويشير ذلك إلى رغبة واضحة في التوصل إلى تسوية عملية تسمح بإدماج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع الحفاظ على خصوصيات الإدارة الذاتية ومكتسباتها المحلية.
وفي المقابل، شددت تركيا على ضرورة دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري الوطني، محذرة الأطراف الكردية من أن شركاءها الدوليّين بدأوا يفقدون صبرهم على طول تأخير تنفيذ الاتفاق.رسالة أوجلان ليست مجرد دعوة رمزية، بل محاولة لإعادة توجيه العملية السياسية نحو حل تفاوضي يرضي جميع الأطراف، مع الحفاظ على المكتسبات المحلية للأكراد.وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ، إن هذا الدمج لا ينبغي أن يشكل “عائقًا” أمام وحدة البلاد واستقرارها. كما كرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعواته لدمج القوات الكردية بسرعة، مستندًا إلى علاقات حكومته الوثيقة مع القيادة الجديدة في دمشق بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وتاريخيًا، كانت العلاقة بين تركيا والقوات الكردية في سوريا مشحونة بالتوتر، حيث أطلقت أنقرة بين عامي 2016 و2019 ثلاث عمليات عسكرية ضد المقاتلين الأكراد السوريين وتنظيم الدولة الإسلامية.
وتعكس هذه الخلفية العسكرية والسياسية المعقدة التحديات العميقة التي تواجه أي محاولة لإعادة دمج القوات الكردية في هيكل الدولة السورية، كما تؤكد أهمية الدور التركي كوسيط محتمل في تسهيل الحوار بين الأطراف.
ويشير محللون إلى أن رسالة أوجلان ليست مجرد دعوة رمزية، بل محاولة لإعادة توجيه العملية السياسية نحو حل تفاوضي يرضي جميع الأطراف، مع الحفاظ على المكتسبات المحلية للأكراد.
وفي ظل الضغوط الأميركية والإقليمية، يصبح دور تركيا محوريًا في إيجاد توازن بين مطالب دمشق بالسيادة الكاملة وحقوق الإدارة الذاتية الكردية في الحكم المحلي.كما أن توقيت الرسالة يعكس حساسية المرحلة، إذ تأتي قبل انتهاء المهلة المتفق عليها للاتفاق وتزامنًا مع تزايد الانخراط الدبلوماسي الأميركي في الملف السوري، ما يعكس محاولة من كافة الأطراف لتجنب انفجار جديد في شمال وشرق سوريا، الذي يعتبر منطقة استراتيجية من حيث الموارد والسيطرة الجغرافية.
ومن زاوية أوسع، يظهر أن تحقيق سلام مستدام في شمال وشرق سوريا يتطلب من الأطراف جميعها، بما فيها تركيا وواشنطن، تفعيل آليات الحوار السياسي والتسوية الدستورية، مع وضع جدول زمني واضح لتطبيق بنود الاتفاق.ويبدو أن نجاح هذا المسار سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة اللاعبين الإقليميين والدوليين على الجمع بين الضغوط العسكرية والدبلوماسية لإحداث تغيير سياسي ملموس يضمن الاستقرار ويقلل من احتمالات تصعيد الصراع في المنطقة.