
في موسمٍ يزدحم بأفلام الرعب المتشابهة، يأتي «Send Help» ليقترح زاوية مختلفة: رعب نجاةٍ لا يبدأ من “الوحش” بل من العلاقة، ومن سؤال بسيط يضعه الفيلم في قلب التجربة: ماذا يحدث حين تُسحب السلطة من مكانها الطبيعي (المكتب) وتُلقى في جزيرةٍ بلا قوانين؟ الفيلم من إخراج (سام رايمي)، ويعود فيه إلى ملعبه المفضل: توترٌ سريع، ومفاجآت تُدار بوعي بصري، مع لمسة من السخرية السوداء التي تجعل الضحكة قريبة من الفزع. لكنه لا يكتفي بالإثارة، بل يستخدم “حالة النجاة” ليعيد اختبار الشخصيتين أخلاقيًا ونفسيًا، ويحوّل المأزق إلى مرآة تكشف ما تحت الأقنعة. الحكاية تبدأ برحلة عمل تنتهي على نحو كارثي، إذ يجد شخصان من المؤسسة نفسها نفسيهما عالقين في جزيرةٍ معزولة بعد حادثٍ مفاجئ. هنا تصبح النجاة مشروعًا يوميًا: ماءٌ وغذاءٌ ومأوى… لكن الأخطر هو ما كان موجودًا قبل الحادث أصلًا: توتر مهني، واستعلاء، وحسابات قوة. في الأيام الأولى يتقدم البقاء بوصفه هدفًا واحدًا لا يحتمل الترف، ثم يبدأ السؤال الأصعب بالظهور: هل يمكن لشخصين لا يثقان ببعضهما أن يبنيا خطة حياة؟ أم أن الجزيرة ستعيد إنتاج صراعات المكتب بطرقٍ أكثر قسوة؟
يتصدر البطولة ثنائي يملك حضورًا واضحًا: (رايتشل مكآدامز) بدور «ليندا»، موظفة عملية تبدو في البداية محاصرة داخل دورها الوظيفي، ثم تتقدم تدريجيًا لتفرض شروطها حين يصبح الواقع أقسى من أي اجتماع. ويشاركها (ديلان أوبراين) بدور «برادلي»، مدير اعتاد أن يربح الجدالات بالصوت والمنصب، قبل أن يكتشف أن الأوامر لا تُشعل نارًا ولا تصنع طعامًا ولا تضمن نجاة. الصدام بينهما ليس مجرد “شدّ وجذب” كوميدي، بل صراع على تعريف الذات: من أنا حين لا يبقى معي سوى جسدي وخوفي وذكائي؟ وكيف أتعامل مع الآخر حين يصبح وجوده شرطًا لبقائي؟
ميزة الفيلم أنه لا يراهن على المؤثرات الضخمة بقدر ما يراهن على الإيقاع. المخرج (رايمي) يصنع التوتر من التفاصيل: صمتٍ يطول أكثر مما ينبغي، صوتٍ بعيد لا يعرف المشاهد مصدره، قرارٍ صغير يتحول إلى كارثة، ولحظة ضعف تُستغل بسرعة. وفي الوقت نفسه، يُدخل الفيلم جرعات معينة من السخرية السوداء—ليس لتخفيف الرعب فقط، بل لتعرية شخصياته. الضحك هنا ليس “تلطيفاً” بل أداة لفضح الغرور والخوف، ولتأكيد أن الإنسان قد يكون مضحكًا حين يحاول حفظ صورته وهو يفقد كل شيء.
على مستوى الدلالة، يلمع تحوّل الهرمية: في المكتب كان “المنصب” معيار القوة، وفي الجزيرة تصبح “المهارة” معيار النجاة. هذا الانقلاب يمنح الفيلم نكهته الخاصة، لأنه لا يقدّم صراعًا خارجيًا فقط، بل يضغط الشخصيات حتى تُعيد ترتيب قيمها: من يستحق القيادة؟ من يقرر؟ من يعتذر؟ ومن يتعلم أن التواضع ليس فضيلة نظرية بل ضرورة وجودية؟ ومع كل خطوة يقطعها الثنائي، يختبر الفيلم فكرة أن النجاة ليست في الطعام والماء وحدهما، بل في القدرة على التفاهم، وعلى إدارة الخوف دون تدمير الآخر.
جماهيريًا، جاء الفيلم بوصفه “حدث أسبوعه” في شباك التذاكر الأميركي، وافتتح بنتائج قوية لفيلم يقوم أساسًا على ثنائية رئيسية ومكانٍ واحد. هذا النوع من النجاح يذكّر بأن الجمهور ما زال يستجيب للأفكار البسيطة حين تُنفَّذ بإحكام: قصة واضحة، توتر متصاعد، ممثلان قادران على حمل العبء، ومخرج يعرف كيف يمسك إيقاع الرعب دون ترهل.
لأنه فيلم مشدود ومسلٍّ، يوازن بين الإثارة والتهكم دون أن يفرّط بالرهان الدرامي، مع ملاحظة أن حدّة السخرية قد تطغى أحيانًا على التعاطف، ويطرح في الوقت نفسه سؤالًا ممتعًا: هل ينقذك المنصب… أم تنقذك المهارة؟