رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
تتبع منهجي نقدي للمسرح طيلة أكثر من ربع قرن ... قراءة للعروض المسرحية الإماراتية بين الفكرة والفرجة


المشاهدات 1054
تاريخ الإضافة 2026/02/09 - 9:50 PM
آخر تحديث 2026/02/10 - 1:06 AM

الزوراء/ خاص
صدر للباحث والكاتب العراقي ظافر جلود كتاب بحثي نقدي بعنوان « المسرح في الامارات.. بين الفكرة والفرجة 2000 -2025 ضمن سلسلة الإصدارات الثقافية المشتركة بين وزارة الثقافة واتحاد الادباء والكتاب الاماراتيين. الكاتب والباحث العراقي ظافر جلود يُعد من أبرز الموثقين للحركة المسرحية في دولة الإمارات، وقد أصدر عدة مؤلفات متخصصة ترصد هذا القطاع. وبناءً على تتبع إصداراته الأخيرة (مثل كتابه «رواد المسرح الإماراتي» الصادر عام 2023 و»رائدات المسرح الإماراتي» 2024)، فإن هذه المؤلفات تركز علي في توثيق المسرح الإماراتي عموما، لذلك يأتي كتاب «المسرح في الامارات.. بين الفكرة والفرجة 2000 -2025»  فهو يرصد الطفرة التي شهدها المسرح الإماراتي مع بداية الألفية الجديدة، خاصة مع زيادة الدعم الحكومي وتأسيس الهيئة العربية للمسرح في الشارقة. كما يسلط الضوء على دور المهرجانات الكبرى مثل «أيام الشارقة المسرحية» و**»مهرجان دبي لمسرح الشباب»** في تشكيل ملامح المشهد الراهن. كما يستعرض أسماء المخرجين والمؤلفين الذين برزوا في العقدين الأخيرين، مثل إسماعيل عبد الله، مرعي الحليان، حسن رجب، وناجي الحاي. محمد العامري. ويفرد مساحة واسعة لتوثيق دور المرأة الإماراتية في المسرح (تمثيلاً وإخراجاً وكتابة). وعلى الرغم من تخصيص اغلب قراءات هذا الكتاب الى عروض مهرجان أيام الشارقة المسرحية والتي انطلقت عام 1984، ولكنها بلغت ذروة نضجها واحترافيتها في الفترة بين 2000 و2025، فكانت المحرك الأساسي والعمود الفقري للمسرح الإماراتي. خاصة والتي قدمت فوق مسارح الشارقة المختلفة، فكل دورة جديدة من مهرجان أيام الشارقة المسرحية، الذي يرعاه الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، وتنظمه إدارة المسرح في دائرة الثقافة في الشارقة، فقد كان قبل استقراره كحدث سنوي ثابت، كان المسرح يعاني من العشوائية حتى جاءت «أيام الشارقة» ففرضت أجندة ثقافية واضحة، مما جعل الفرق المسرحية (مثل مسرح الشارقة الوطني، وبقية الفرق المسرحية بالإمارات) تعمل طوال العام للاستعداد للمنافسة، وهو ما خلق حالة من الاستمرارية والتدريب المتواصل. 
لم تكن الأيام مجرد عرض مسرحي وتصفيق؛ بل اشتهرت بـ «الندوات التطبيقية» التي تلي العروض مباشرة. وهذه الندوات جمعت بين المبدعين الإماراتيين ونقاد عرب وعالميين. والتي ساهمت في «تثقيف» الفنان الإماراتي نقدياً، حيث يتعرض عمله للتحليل الدقيق، مما أدى إلى تطور أدوات المخرجين والمؤلفين بشكل متسارع.
كما عملت «أيام الشارقة المسرحية» كجسر ثقافي، حيث يتم دعوة كبار المسرحيين العرب كضيوف شرف أو كأعضاء في لجنة التحكيم. هذا الاحتكاك المباشر نقل خبرات المدارس المسرحية (المصرية، العراقية، السورية، والمغاربية) إلى جيل الشباب الإماراتي، مما صهر الموهبة المحلية بالخبرة الأكاديمية العربية. بفضل مسابقات التأليف المصاحبة للمهرجان، برز كتاب إماراتيون استطاعوا نقل المسرح من الاعتماد على النصوص المترجمة أو المقتبسة إلى «نص محلي» بامتياز، يعالج قضايا المجتمع الإماراتي بلهجته وهويته، مع الحفاظ على لغة بصرية عالمية.
فمن خلال الأيام، تم ترسيخ ثقافة الوفاء حيث يتم اختيار «شخصية المهرجان المحلية» و»شخصية المهرجان العربية». هذا الربط بين الأجيال الذي يركز عليه المؤلف الباحث في كتابه الذي أعطى للباحثين والمتتبعين دافعا للاستمرار وقراءة العرض المسرحي. والتي تحمل أنوعاً وأشكالاً مختلفة ومتنوعة من الابتكارات تشكل إضافة نوعية ل«أبو الفنون»، على المستوى المحلي، وكذلك فيما يتعلق بالمسرحين الخليجي والعربي، كما ظلت كل نسخة تعلن ميلاد نجم في سماء الإبداع المسرحي، سواء على مستوى التمثيل أو الإخراج أو الكتابة والتأليف وكل مفردات وعناصر العرض الفرجوي. لقد شهدت دورات المهرجان المتتالية تطوراً على مستوى التنظيم وطرق وأساليب العرض، وكذلك الموضوعات التي تطرحها، ما يؤكد المكانة الخاصة التي بات يحتلها هذا المهرجان الذي استطاع أن يصبح قبلة للمبدعين من أبناء المسرح الإماراتي، والمشتغلين بالتنظير للفنون المسرحية من كل الأقطار العربية، ليصبح منصة متوهجة بالعطاء المتجدد.
ومنذ انطلاق أيام الشارقة المسرحية، في مارس 1984، وظلت هذه المنصة تكسب أرضية جديدة في كل عام، إذ ظلت تنفرد بنوعية مختلفة من الفعل المسرحي والتجارب الفرجوية، إذ إن المهرجان ينتمي إلى نوعية الأدب الجاد ويحفل بالتجارب المبتكرة التي تبحث عن أفق وخصوصية للمسرح العربي بشكل عام، وهذا الأمر مكن هذه المنصة المتوهجة من التطور في كل دورة، حتى صار يحتل مكانة متميزة متقدمة ، ولعل ذلك العطاء المستمر أكسب «الأيام» شهرة تعدت حدود العالم العربي نحو العالمية وذلك لأن المهرجان اتسم بثنائية نادرة وهي الاستمرارية والتطور، حيث ظل في كل نسخة جديدة يقدم أصنافاً من الإبداع الدرامي والجهد الفكري المتمثل في الأنشطة المختلفة المصاحبة للعروض ثقافية ونقدية وتكريمات لأجيال مختلفة من الفنانين المحليين والعرب والذين تخصص لهم جلسات خاصة من أجل سرد تجاربهم ومسيرتهم الإبداعية حتى يستمر العطاء وتسليم راية الإبداع لجيل جديد يصنع روائع درامية برافعة التجريب وتوظيف التطور التكنولوجي من أجل أن تعبر العروض عن روح العصر.
وربما يلاحظ المتابع للنشاط المسرحي في الشارقة والدولة على وجه العموم ذلك التدرج الذي تتسم به الحركة المسرحية، فإذا كانت «الأيام»، هي قمة الفعل المسرحي في الدولة، فإن هناك العديد من المهرجانات التي ترفد هذه المنصة بالنجوم على مستوى جميع مفردات وعناصر العرض المسرحي من كتاب ومخرجين وممثلين وغيرهم، فهناك المسرح المدرسي الذي يعد نقطة الانطلاقة والبداية للإعلان عن المواهب المسرحية، وهناك أيضاً «مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة»، والذي هو بمنزلة مختبر لإعداد المسرحيين في كافة تخصصاتهم، حيث يتم صقل تلك المواهب في ورش متخصصة، لتشارك تلك الكفاءات في المهرجانات الاحترافية وعلى رأسها «أيام الشارقة المسرحية»، حيث إن هذه الأعمال التي تقدم في منصة «الأيام»، تشارك بدورها في المهرجانات الخارجية التي استطاعت عبرها الإمارات أن تحرز العديد من الجوائز وتقدم ممارسات مسرحية نالت الإعجاب والتقدير.
وفي كل نسخة جديدة من المهرجان تظل الفرق الفنية المختلفة في الدولة في حالة ترقب مستمر، من أجل المشاركة الفعالة والجادة، حيث التنافس الإبداعي والفرجة المتميزة، فقد صار المهرجان حدثاً فنياً يختلف عن معظم المهرجانات والفعاليات المهتمة ب«أبو الفنون» في كل المشهد الإبداعي العربي، إذ تحولت «الأيام»، إلى منصة لها خصوصيتها جهة التقاليد الفنية الراسخة والرؤى الفكرية المتجددة، فقد استطاع هذا المهرجان المختلف من حيث الإبداع والرؤى المسرحية، أن يراكم الخبرات والتجارب من أجل تقديم أطروحات جديدة في الفعل والنشاط المسرحي من خلال عروض تنتمي إلى الإبداع الخلاق المتوهج بألق الفكرة في التصدي لمختلف القضايا التي ظلت تتناولها  ان عروض مدرسة «الأيام»، رسخت في أذهان جمهور المسرح من الخليج وإلى المحيط أسماء كثير من الأعمال التي خرجت من مدرسة الأيام وشاركت في مختلف المهرجانات العربية واستطاعت أن تحرز العديد من الجوائز الرفيعة، وأثبتت علو كعب الإمارات في الممارسة المسرحية المتميزة الرفيعة التي ترتقي بالذائقة، ما جعل المهرجان يتطور في كل مرة، ويشهد الجديد في كل دورة، فالعمل المسرحي لن يزدهر ما لم تكن هناك جهة ترعاه وتهتم به، ويأتي الاهتمام الإماراتي ب«أبو الفنون»، من خلال دعم الثقافة بصورة عامة والمعرفة باعتبار أن الإنسان هو موضوع التنمية والتطور.


تابعنا على
تصميم وتطوير