رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سعد المسعودي.. سيرة إعلامي عراقي حمل بغداد إلى العالم ...


المشاهدات 1040
تاريخ الإضافة 2026/02/11 - 9:57 PM
آخر تحديث 2026/02/12 - 1:00 AM

يمثل الإعلامي والصحفي العراقي سعد عبد عون المسعودي نموذجاً خاصاً في تاريخ الإعلام العراقي المعاصر؛ فهو واحد من الجيل الذي خرج من رحم مؤسسات الدولة الثقافية والفنية في سبعينيات القرن الماضي، ثم اضطرته الظروف السياسية والتحولات الكبرى إلى العمل خارج البلاد، لكنه لم يتحول إلى إعلامي مغترب بالمعنى التقليدي، بل بقي صوته مرتبطاً بالعراق، حاملاً أخباره وصورته وثقافته إلى الخارج، وجالباً للعراقيين أخبار العالم وفنونه وأسماءه.
لم يكن المسعودي مجرد مراسل أو مقدم برامج، بل كان وسيطاً ثقافياً بين حضارتين، وذاكرة تلفزيونية عاش معها المشاهد العراقي عقوداً من الحصار والعزلة والانفتاح لاحقاً. فبرنامجه “رسالة باريس” لم يكن فقرة إعلامية عابرة، بل نافذة نفسية وثقافية على عالم كان بعيداً عن الجمهور العراقي في تلك السنوات. ومن خلال عمله في إذاعة بغداد، وإذاعة مونت كارلو الدولية، والتلفزيون الفرنسي، وقناة العربية، شكّل جسراً إعلامياً امتد لأكثر من أربعة عقود، عابراً الأنظمة والحدود والتحولات السياسية.
هذا التحقيق يحاول قراءة شخصية سعد المسعودي قراءة تحليلية وفق محطات حياته المهنية والثقافية، بوصفه نموذجاً للإعلامي العراقي الذي صنع مساره خارج البلاد لكنه لم يخرج من ذاكرة الجمهور.
 الجذور البغدادية.. بداية التكوين الثقافي
ولد سعد المسعودي عام 1955 في بغداد لأسرة تعود أصولها إلى مدينة كربلاء وتحديداً منطقة الحسينية، وانتقلت إلى العاصمة لأسباب معيشية. تنقل في طفولته بين مناطق المنصور والكاظمية ثم مدينة الحرية، وهي مناطق كانت تمثل آنذاك بيئات اجتماعية متنوعة تجمع أبناء الطبقة الوسطى والموظفين والفنانين والطلبة.
في مدينة الحرية تحديداً بدأت ملامح التكوين الثقافي تتشكل؛ فقد كانت مراكز الشباب في تلك الفترة فضاءات ثقافية حقيقية وليست مجرد أماكن ترفيه، إذ ضمت نشاطات مسرحية وفنية وموسيقية ساهمت في صقل مواهب جيل كامل من الفنانين والإعلاميين.
هناك احتك المسعودي مبكراً بأسماء ستصبح لاحقاً من رموز الفن العراقي مثل جلال كامل وسعدون جابر وفاضل عواد وغيرهم. كانت تلك البيئة بمثابة مختبر أول لاكتشاف الموهبة، إذ شارك في أعمال فنية ومسرحية وفعاليات ثقافية، بل شارك مع وفود شبابية عراقية في مهرجانات خارجية مثل مهرجان الشباب في كوبا، ما منحه مبكراً إحساساً بالعالم خارج الحدود.
هذا الاحتكاك المبكر بالعالم الخارجي يفسر لاحقاً سهولة انتقاله إلى العمل الدولي، فهو لم يدخل تجربة الاغتراب فجأة، بل كان يحمل استعداداً نفسياً وثقافياً لها منذ سنوات التكوين الأولى.
 المدرسة التي صنعت الإعلامي
التحق المسعودي بمعهد الفنون الجميلة ثم أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، حيث درس المسرح على يد أساتذة كبار مثل بهنام ميخائيل وقاسم محمد، وهما من أبرز رواد المسرح العراقي الحديث.
لم يكن هذا التعليم مجرد دراسة أكاديمية، بل تدريباً على فهم الصورة واللقطة والإيقاع والحوار، وهي عناصر أساسية في العمل الإعلامي التلفزيوني.
هذه المرحلة تمثل حجر الأساس في شخصيته المهنية، إذ اكتسب منها ثلاث خصائص واضحة:
أولا:ً الحس الدرامي في بناء التقرير التلفزيوني، إذ لم تكن تقاريره مجرد أخبار بل حكايات مصورة.
ثانياً: القدرة على الحوار مع الفنانين والمثقفين بلغة يفهمونها، لأنه واحد منهم أساساً.
ثالثاً: الوعي بالصورة الثقافية للعراق، وهو ما انعكس لاحقاً في اختياراته لضيوفه وموضوعاته.
هو نفسه يعترف بأن دراسته في العراق كانت السبب في قبوله لاحقاً في جامعة السوربون، ما يدل على قوة المدرسة الفنية العراقية آنذاك وقدرتها على إعداد كوادر قادرة على المنافسة عالمياً.
إذاعة بغداد.. البداية المهنية الحقيقية
دخل المسعودي العمل الإعلامي من بوابة إذاعة بغداد عندما اختير مع أوائل الطلبة للعمل في الإذاعة والتلفزيون، وكان الفنان فاضل خليل مسؤولاً عن قسم التمثيليات، فيما كان أرشد توفيق مديراً للإذاعة.
بدأ مساعد مخرج، ثم أصبح مخرجاً إذاعياً، وعمل في الإذاعة الموجهة، وهي مدرسة إعلامية صعبة تتطلب دقة لغوية وصوتية وثقافية.
في هذه المرحلة تعلم الانضباط المهني وقواعد البث المباشر وفن إعداد البرامج، وهي خبرة سترافقه لاحقاً في عمله الدولي.لكن التحول الكبير حدث عام 1981 حين انتقل إلى باريس، في خطوة لم تكن مجرد بعثة دراسية بل بداية مرحلة جديدة في حياته.
 التحول من إعلام محلي إلى عالمي
في باريس التحق بجامعة السوربون، حيث حصل على الماجستير ثم الدكتوراه، وقرر البقاء هناك.
هذه المرحلة تمثل انتقالاً من إعلام الدولة إلى الإعلام العالمي، ومن خطاب داخلي إلى خطاب متعدد الثقافات.
أسس مع آخرين إذاعة “الشرق” في باريس، التي ما زالت مستمرة حتى اليوم، ما يشير إلى دوره المبكر في الإعلام العربي المهاجر في أوروبا.لكن الأهم أن إدارة تلفزيون العراق طلبت منه العمل مراسلاً في باريس، لتبدأ واحدة من أهم التجارب الإعلامية في تاريخ التلفزيون العراقي.
 رسالة باريس.. نافذة العراق على العالم
خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كان العراق يعيش ظروف حرب ثم حصار، وكانت وسائل الاتصال بالعالم محدودة.. هنا ظهر دور “رسالة باريس”، البرنامج الذي قدمه المسعودي أسبوعياً كل خميس، ليصبح موعداً ثابتاً ينتظره الجمهور.
لم تكن الرسالة مجرد نشرات أخبار، بل تضمنت:
لقاءات مع فنانين عالميين وعرب مثل فيروز وراغب علامة ووليد توفيق وعمر الشريف.
حوارات سياسية مع شخصيات دولية مثل جاك شيراك وأعضاء برلمان أوروبيين.
تغطية للسينما والفنون التشكيلية والحياة الثقافية في أوروبا.
متابعة لأخبار الجالية العراقية في الخارج.
بهذا المعنى تحولت “رسالة باريس” إلى نافذة نفسية للمشاهد العراقي، إذ قدمت له صورة عالم طبيعي خارج واقع الحصار، وأعادت ربطه بثقافة عربية وعالمية كانت بعيدة عنه.
المسعودي كان أول مراسل لتلفزيون العراق في الخارج، وهي صفة تحمل دلالة تاريخية، لأنه نقل التلفزيون من إعلام محلي مغلق إلى إعلام عابر للحدود.
 مونت كارلو والتلفزيون الفرنسي
بعد توقف “رسالة باريس” إثر دخول العراق الكويت عام 1990، التحق بإذاعة مونت كارلو الدولية مقدماً ومعداً لبرامج ثقافية وفنية مثل “ريبورتاج” و”نافذة على العراق” و”مرايا” و”ألو مونت كارلو”.
كما عمل في التلفزيون الفرنسي، وغطى أحداثاً عراقية وعربية، ليصبح صوتاً عربياً داخل مؤسسة إعلامية غربية.
هذه التجربة أضافت إلى شخصيته المهنية بعداً جديداً، فهو لم يعد يمثل إعلام دولة فقط بل إعلام ثقافة، أي تقديم العالم العربي للغرب بلغة يفهمها الغرب.
من مراسل إلى صانع مؤسسة
عند تأسيس قناة العربية كان المسعودي أحد مؤسسيها، فانتقل إلى دبي بإجازة من مونت كارلو لمدة ثلاث سنوات، وعمل محرراً ومدرباً للمراسلين.
هذه المرحلة تعكس انتقاله من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن الأداء أمام الكاميرا إلى صناعة الكوادر الإعلامية. بعد 2003 عاد إلى التلفزيون الفرنسي حتى 2006 ثم عاد للعربية مراسلاً في مكتب باريس، وما زال يعمل معها حتى اليوم، إضافة إلى عمله مستشاراً في معهد العالم العربي ومتعاوناً مع اليونسكو.
الإعلام الثقافي.. دوره في شهرة الفنانين
من أبرز ما يفتخر به المسعودي أنه ساهم في شهرة عدد من الفنانين العراقيين والعرب مثل كاظم الساهر وماجد المهندس وحسين نعمة وحميد منصور وفناني المقام العراقي. هذا الدور لا يتعلق بالدعاية بل بالاختيار الثقافي؛ فقد كان يركز على تقديم الفنان الجاد لا التجاري، ويستضيفهم في برامج وحفلات للجالية العراقية في فرنسا التي يرأس جمعيتها. بهذا المعنى أدى دور المنتج الثقافي وليس الصحفي فقط، إذ صنع جسوراً بين الفنان وجمهوره خارج العراق.
 العلاقة مع العراق.. اغتراب بلا انقطاع
رغم إقامته الطويلة في فرنسا، ظل المسعودي مرتبطاً بالعراق، يزور المهرجانات الثقافية ويغطي الأحداث العراقية ويتابع أخبار بلده.
يمكن وصف حالته بأنها “هجرة مهنية لا نفسية”، فهو يعمل خارج العراق لكنه إعلامياً يعيش داخله.
فلسفة المهنة.. الإعلامي متعدد اللغات
يؤكد المسعودي أن الإعلامي يجب أن يجيد لغة أخرى على الأقل لتحقيق التواصل العالمي، وهو نفسه يتقن الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية.
كما ينصح الإعلاميين أن يقرأوا أكثر مما يكتبون، في إشارة إلى أن المعرفة تسبق التعبير.
هذه الفلسفة تعكس تجربته الشخصية، فنجاحه الدولي لم يأت من مهارة الإلقاء فقط بل من الثقافة الواسعة والقدرة على الحوار مع الآخر بلغته.
خاتمة تحليلية
سعد المسعودي ليس مجرد اسم في ذاكرة التلفزيون العراقي، بل يمثل مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام العربي.. فهو ابن مؤسسات الدولة الثقافية في السبعينيات، ومراسل الحصار في التسعينيات، وإعلامي العولمة بعد الألفية.
تنقل بين بغداد وباريس ودبي، لكنه حافظ على خيط واحد يربط مسيرته: تعريف الآخر بالعراق وتعريف العراقيين بالعالم.. لقد جسد دور الإعلامي الوسيط، لا الناقل فقط؛ إذ كان يختار ما يعرضه ليعطي صورة حضارية وثقافية، ولهذا بقيت “رسالة باريس” في ذاكرة الجمهور، لأنها لم تكن خبراً بل نافذة حياة.
بهذه التجربة الطويلة يمكن اعتباره واحداً من رواد الإعلام الثقافي العراقي خارج الحدود، ومن أوائل من حولوا المراسل التلفزيوني إلى شخصية معرفية لها تأثير في الذائقة الفنية، لا مجرد ناقل للأحداث.
إنها سيرة إعلامي بدأ من مراكز الشباب في بغداد، وانتهى في أهم المؤسسات الإعلامية الدولية، لكنه بقي يحمل في صوته ذاكرة مدينة كاملة.


تابعنا على
تصميم وتطوير