رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الصحافة الاستقصائية تُسقط الوهم


المشاهدات 1064
تاريخ الإضافة 2026/02/15 - 9:45 PM
آخر تحديث 2026/02/16 - 12:52 AM

لم تكن جزيرة إبستين مجرّد بقعة نائية في البحر الكاريبي، بل كانت استعارة مكثّفة لعالم مغلق، تحرسه السلطة والمال، ويُدار بمنطق الإفلات من المساءلة. ولسنوات طويلة، ظلّ اسم الجزيرة يتردّد همساً، بلا وثائق، وبلا مساءلة حقيقية، وكأنها خارج الجغرافيا القانونية والأخلاقية معاً. إلى أن قرّرت الصحافة الاستقصائية أن تطرق باب الصمت، لا بضجيج، بل بإصرار مهني طويل النفس.
في قلب هذا التحوّل، يبرز اسم الصحفية جولي كاي براون، مراسلة صحيفة ميامي هيرالد الأميركية، التي أعادت فتح ملفٍ أُغلق عمداً، وكُدّست فوقه طبقات من النسيان المتعمَّد. لم تتعامل براون مع القضية بوصفها فضيحة عابرة، بل بوصفها اختباراً قاسياً لمعنى العدالة، وحدود الصحافة، وقدرتها على مواجهة تحالف النفوذ مع الصمت. ومن خلال تحقيقها الاستقصائي الشهير عام 2018، كشفت براون كيف حصل جيفري إبستين على صفقة قضائية مخففة رغم تعدد الشكاوى، وتطابق شهادات الضحايا القاصرات. لم يكن الكشف صادماً فحسب، بل كان فاضحاً لمنظومة كاملة تتكون من ادّعاء عام تواطأ، ومحامين نافذين مهّدوا الطريق، ومؤسسات اختارت السلامة على حساب الحقيقة.ما فعلته الصحافة الاستقصائية هنا لم يكن جمع معلومات متفرقة، بل تفكيك شبكة. فالجزيرة لم تكن سوى مسرح. أما النص الحقيقي فكان مكتوباً في مكاتب القضاء، وفي الاتفاقات السرية، وفي لغة قانونية صُمّمت لتخفيف الجريمة لا إنصاف الضحايا. الصحفية لم تكتفِ بالوثائق، بل أعادت الاعتبار للشهادة الإنسانية، تلك التي جرى التشكيك بها، أو إسكاتها، أو شراؤها بالتسويات. واجهت جولي براون، ومعها مؤسستها الصحفية، ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة، تشكيك بالمصداقية، وتهديدات قانونية، ومحاولات إغراق الملف بالتفاصيل الهامشية. ومع ذلك، استمر العمل بهدوء، وبمثابرة لا تبحث عن البطولة، بل عن الحقيقة. شهور من المقابلات، مراجعة آلاف الصفحات من السجلات، وربط الوقائع ببعضها، حتى خرجت القصة من عزلتها، وصارت قضية رأي عام. ولم تكمن القيمة العميقة للصحافة الاستقصائية في هذه القضية في أنها كسرت واحدة من أخطر المعادلات، معادلة الأسماء الكبيرة لا تُمسّ. لقد قالت، من دون خطاب أخلاقي مباشر، إن النفوذ لا يُسقط الجريمة، وإن الصمت المؤسسي شكل من أشكال التواطؤ. وحين أُعيد فتح الملف، لم يكن ذلك انتصاراً لصحيفة بعينها، بل استعادة لدورٍ أصيل للصحافة بوصفها سلطة مساءلة، لا تابعاً للسلطات.في زمن السرعة، والعناوين المعلّبة، أعادت قضية جزيرة إبستين الاعتبار للصحافة البطيئة، المتأنية، التي لا تركض خلف الخبر، بل تحفر تحته. صحافة تعرف أن الحقيقة لا تظهر دفعة واحدة، بل تتكوّن من شظايا، وأن حماية الضحايا تبدأ بالإنصات الجاد، لا بالشفقة العابرة. وقد سقطت جزيرة إبستين رمزياً حين خرجت من عزلتها، لكن الأهم أن وهماً قديماً سقط معها، مفاده أن المال قادر دائماً على شراء الصمت، وأن بعض الملفات محصّنة إلى الأبد. 


تابعنا على
تصميم وتطوير