رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
محمد هاشم.. فنان تشكيلي بدأت علاقته بالرسم منذ الطفولة


المشاهدات 1039
تاريخ الإضافة 2026/02/15 - 9:47 PM
آخر تحديث 2026/02/16 - 12:51 AM

ينتمي الفنان التشكيلي محمد هاشم إلى جيلٍ يرى في الفن أكثر من مهارة تقنية أو ممارسة جمالية، بل تجربة حياة متكاملة تتشكل عبر الزمن والتأمل والعمل الطويل. بدأت علاقته بالرسم منذ سنوات الطفولة داخل البيئة المدرسية، ثم تطورت تدريجياً لتصبح مشروعاً شخصياً ووعياً وجودياً. في هذا الحوار يتحدث عن تحولات تجربته، وعن أثر المرض والغياب والعودة، وعن العلاقة بين الحبر والماء والخط والإنسان والمكان، إضافة إلى رؤيته لمستقبل مشروعه الفني. زرناه في مرسمه الخاص في بغداد وقدمنا له عددا من الاسئلة فاجابنا مشكورا
* كيف بدأت علاقتك الأولى بالرسم ومتى شعرت أنها تتجاوز حدود الهواية؟
ــ بدأت علاقتي الجدية مع الرسم في المدرسة عندما شاركت في إعداد الجرائد الحائطية التي كنا نكتبها ونرسمها يدوياً. في تلك المرحلة لم يعد الرسم مجرد تسلية، بل أصبح مسؤولية وإحساساً بقيمة الوقت. ومع مرور السنوات شعرت أن ارتباطي بالرسم يتجاوز كونه هواية طفولية، فقد صار وسيلة للتعبير والمشاركة داخل البيئة المدرسية ثم تحول إلى خيار شخصي واضح المعالم. في البداية كنت أرسم بدافع اللعب والخيال، لكن لاحقاً بدأ الرسم يمنحني قدرة على التعبير عن مشاعري الداخلية وتوجيه فضولي نحو خلق صور وأفكار خاصة بي.
* ما أول عمل شعرت أنه يمثل شخصيتك الفنية فعلاً؟
ــ  حدث ذلك في نهاية إحدى دورات الرسم الاحترافية حين طُلب منا رسم الإنسان بالحبر. في تلك التجربة اكتشفت أن العمل بالحبر قريب جداً من طبيعتي، خصوصاً رسم الجسد البشري. لم يكن الأمر تقليداً أو تأثراً، بل إحساساً بالانسجام بين الأداة والحركة والفكرة. قادتني هذه التجربة إلى إنجاز مجموعة أعمال تركت أثراً واضحاً ورسخت انتمائي لهذا الأسلوب وهذه المادة.
*  هل مررت بفترات ابتعاد عن الرسم خلال مسيرتك؟
ــ  نعم، مررت بفترات ابتعدت فيها عن الرسم، لكنها لم تكن انقطاعاً عن الفن بقدر ما كانت تحولاً في وسيلة التعبير. عملت في تلك المرحلة على التصميم بالحاسوب وصممت أعمالي بنفسي، وهذا ساعدني كثيراً في تطوير حس البناء والدقة والعلاقة بين الشكل والفراغ. وعندما عدت إلى الرسم عدت برؤية أهدأ وأكثر وعياً بالبنية والتكوين.
*  كيف انعكس ذلك على أسلوبك الفني لاحقاً؟
ــ  بعد العودة شعرت باختلاف أسلوبي قياساً بأعمالي بالحبر. كنت معتاداً على رسم البورتريه لكنني أصبحت أركز أكثر على البنية والحركة والخط الأساسي. هذا الوعي انتقل لاحقاً إلى أعمالي بالألوان المائية خاصة في رسم الطبيعة، حيث بقي الخط حاضراً حتى مع اللون وازداد اهتمامي بالتفاصيل الدقيقة وبناء المشهد بهدوء وتأمل. هذا التسلسل بين الحبر والمائي هو ما شكّل أسلوبي وميّزه.
* متى كانت أول مشاركة حقيقية لك في الوسط التشكيلي؟
ــ  يمكن اعتبار أول مشاركة حقيقية لي مشاركتي في معرض جماعي ضم أساتذة وفنانين كباراً، وتم اختياري بعد الاطلاع على أعمالي ورؤيتي. شكلت تلك التجربة نقطة تحول فعلية ومنحتني ثقة أكبر بمساري الفني.
*  كيف تحول الفن من نشاط شخصي إلى التزام مهني لديك؟
ــ  حدث ذلك تدريجياً مع تراكم الدراسة والتجربة والمشاركات. بدأت أتعامل مع العمل الفني بوعي ومسؤولية من حيث الوقت والانضباط وتطوير الأسلوب. لم يعد الرسم مساحة خاصة فقط بل مساراً يتطلب رؤية واضحة للمستقبل.
* لو التقيت الفنان الشاب في بداياتك ماذا تقول له؟
ــ سأقول له استمر ولا تتعجل النتائج. ما كنت تفعله كان ضرورياً لتكوينك وحتى الأخطاء كانت جزءاً من التعلم. ركز على الصدق في العمل وامنح نفسك الوقت الكافي للنضج فالمسار أهم من السرعة.
* ذكرت أن ظرفاً صحياً أثر في تجربتك، كيف انعكس ذلك على رؤيتك للفن؟
ــ  بعد عودتي العميقة للفن إثر ذلك الظرف تغيرت رؤيتي للحياة والفن بشكل واضح. أصبح الفن بالنسبة لي ملاذاً وفهماً أعمق للوجود. تعلمت الصبر والانتباه للتفاصيل والتقدير العميق للحظات الصغيرة، وأصبحت مقتنعاً بأن الاهتمام بالفن ينعكس اهتماماً بالحياة نفسها. 
* ما الموضوعات التي تركز عليها حالياً؟
ــ  أركز على الإنسان والمكان مع استلهام الذكريات. أجد في هذه الموضوعات فرصة للتعبير عن الحركة والإحساس والعلاقات بين الشكل والخط. التجريد حاضر أيضاً ولكن بحدود وغالباً ما أستخدمه لدعم التعبير عن الأفكار والمشاعر وليس هدفاً بحد ذاته.
* ماذا أضافت لك المعارض الجماعية؟
ــ كانت منصة لعرض تجربتي ضمن سياق أوسع والتفاعل مع تجارب مختلفة. هذا الاحتكاك ساعدني على تطوير رؤيتي، وأكد لي أهمية الحوار الفني مقارنة بالعمل الفردي الذي يظل أكثر تركيزاً على التجربة الذاتية.
* لماذا لم تقم بمعرض شخصي حتى الآن؟
ــ  خلال السنوات الماضية ركزت على تطوير التجربة وتعميق الأدوات أكثر من التركيز على العرض الفردي. بعض الأعمال استغرق إنجازها أشهراً وأحياناً عاماً كاملاً، لذلك تشكلت التجربة بروية وعلى حساب الظهور الفردي. أعد هذه المرحلة تحضيراً واعياً لمعرض شخصي قادم.
*  هل لديك تواصل مع فنانين داخل العراق وخارجه؟
ــ  نعم، لدي تواصل مستمر مع أساتذتي وأصدقائي الفنانين داخل العراق وخارجه من خلال تبادل الآراء والنقاش حول الرسم. هذا التواصل حقق توازناً بين البيئة المحلية والاطلاع على التجارب المختلفة دون فقدان الارتباط بالواقع المحلي.
* ما الخامات التي استخدمتها خلال تجربتك؟
ــ  بدأت بالفحم والحبر والألوان المائية والزيتية والباستيل وأقلام الخشب. ومع الوقت أصبحت أميل أكثر إلى الحبر والألوان المائية لأنها تسمح بالتركيز على البنية والخط والتعبير عن الضوء واللون بشكل ناعم. أشعر أنها تحقق توازناً بين الانضباط والحرية.
* كيف توفق بين عملك في التربية الفنية ومشروعك التشكيلي؟
ــ من خلال تنظيم الوقت والتركيز على الهدف. التدريس يتيح نقل الخبرة ومراجعة الأساسيات باستمرار وهو ما يغذي تجربتي الشخصية، بينما يسمح المشروع الفني بالتجريب والابتكار وينعكس ذلك بدوره على العملية التعليمية.
*  ما طموحاتك في المرحلة المقبلة؟
ــ أطمح إلى تطوير مشروع فني يدمج التجربة الشخصية مع التقنيات التي اكتسبتها، مع إنتاج أعمال نوعية تعكس أسلوبي الخاص. كما أرغب بتنظيم معرض نوعي يتيح التواصل المباشر مع الجمهور ويقدم تجربة جديدة في الأسلوب والمواد تضيف بعداً مختلفاً لمساري الفني.
الخلاصة
يبدو واضحاً أن تجربة محمد هاشم ليست رحلة نحو الشكل فقط، بل نحو الفهم أيضاً. فالفن لديه يتحول من مهارة إلى وعي، ومن لوحة إلى طريقة للنظر إلى الحياة. بين الحبر والماء، وبين الإنسان والمكان، يواصل بناء مشروعه بهدوء وثقة، مؤمناً بأن النضج الفني لا يقاس بسرعة الإنجاز بل بعمق التجربة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير