رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هواجس الهوية : سؤال العراق بين الجذر والعاصفة


المشاهدات 1055
تاريخ الإضافة 2026/02/15 - 9:47 PM
آخر تحديث 2026/02/16 - 12:51 AM

في المراحل التي تتسارع فيها التحولات، يتحول سؤال الهوية إلى ضرورة وجودية.“هواجس الهوية: تأملات أنثروبولوجية في الثقافة العراقية” يصدر من هذه اللحظة؛ من إحساسٍ بأن المعاني تتبدّل بسرعة، وأن الرموز تتكاثر بينما تتراجع القدرة على تثبيتها في وعيٍ جمعيٍّ متماسك.
يكتب الحسناوي بكتابه الصادر حديثاً عن دار الرافدين ومسارات من داخل القلق الثقافي والاجتماعي، متتبعاً علاقة العراق بذاته، وبذاكرته، وبمستقبله. الاستعارة التي يفتتح بها الكتاب — الشجرة التي تتبدل أوراقها وتبقي جذورها — ترسم الإطار المفاهيمي للنص بأكمله، فالتغيير جزء من حركة الحياة والجذور تمثل الذاكرة والمعنى والاستمرار، بينهما يقيم التوتر الذي يشكل جوهر الكتاب.
ما الذي يجمعنا؟ من التفكيك إلى الإطار الثقافي
ينطلق المؤلف من سؤال مباشر: ما الذي يجمع العراقيين؟ يمرّ عبر اللغة والدين والجغرافيا والعشيرة، مستعرضاً قدرة كل عنصر على تشكيل انتماء، ومحدودية كل عنصر في الوقت ذاته داخل فضاء وطني واسع ومتعدد. اللغة إطار تواصلي غني، غير أنها متعددة في لهجاتها وألسنتها، الدين يمنح عمقاً روحياً وتتشكل داخله تنويعات مذهبية وتاريخية.العشيرة رابطة قرابة والجغرافيا مساحة تحتاج إلى معنى يتجاوز الحدود المرسومة على الخرائط.عبر هذا المسار، يقترب الكاتب من الثقافة بوصفها المجال الأوسع والحاضنة التي تسمح للتنوع أن يتحول إلى طاقة تعيد تعريف الانتماء على أساس المعنى المشترك وتُقرأ كمشروع وطني طويل النفس، يستوعب التعدد من دون أن يختزله، ويعيد صياغة “نحن” كمساحةٍ جامعة لا اصطفافاً ضيقاً.
من الاسم السومري إلى الهوية الحديثة
يأخذ الكتاب القارئ في رحلة تاريخية عبر تطور مفهوم الهوية، الاسم في الحضارات الرافدينية ارتبط بالوجود واحتفظ بدلالة تتجاوز التعريف اللفظي إلى تثبيت الكينونة في الذاكرة. في الفلسفة الإغريقية ظهر مبدأ التطابق مع الذات ثم تطورت الفكرة في التراث الإسلامي عبر مفاهيم الذات والجوهر. في العصر الحديث اتسع المفهوم ليشمل الهوية الثقافية والوطنية والرقمية. هذا الامتداد التاريخي يمنح النص عمقاً أنثروبولوجياً، ويضع الهوية في سياقها الحضاري الطويل. الإنسان في سومر الذي نقش اسمه على الطين كان يسعى إلى تثبيت أثره في العالم والإنسان المعاصر الذي يبحث عن تعريفه الرقمي يعيد إنتاج السؤال ذاته بأدوات مختلفة.
الهوية القيمية: السلوك تعريفاً للذات
ينتقل الحسناوي من مستوى الانتماء العام إلى مستوى الضمير الفردي. السؤال المركزي يصبح: من أكون في اللحظة التي أختار فيها سلوكي؟ الهوية القيمية تظهر في التفاصيل الصغيرة: الأمانة، النزاهة، احترام النظام، الإحساس بالمسؤولية. يرتبط تماسك المجتمع بقدرة أفراده على تحويل القيم إلى ممارسة يومية. يقرأ الكاتب التحولات التي مر بها العراق عبر هذا المنظور، فيرى كيف اختلطت المعايير تحت ضغط الصراعات السياسية والاجتماعية، وكيف أثرت الرسائل المتراكمة في تشكيل تصور جديد للنجاح والذكاء. يعيد النص الاعتبار لفكرة أن التنمية تحتاج إلى قاعدة أخلاقية راسخة، وأن الاقتصاد والتعليم والقضاء تتطلب منظومة قيمية متماسكة تحميها من الانهيار.
الرموز والذاكرة: العَلَم والنخلة وأكيتو
يحضر الرمز في الكتاب حاملاً للذاكرة الجمعية “النخلة” صورة للأرض والامتداد، و”أكيتو” استدعاء لزمن حضاري قديم، و “العَلَم” علامة على الانتماء المشترك. القراءة هنا تتجاوز الوصف إلى التأويل، العلاقة بين المجتمع ورموزه تكشف مستوى وعيه بذاته. العَلَم، على سبيل المثال، يتحول في النص إلى مساحة اعتراف ومصالحة، وإلى بيت رمزي يتسع لجميع أبنائه. الرموز الوطنية تكتسب معناها من طريقة قراءتها في اللحظة الراهنة، ومن قدرتها على جمع المختلفين تحت سقفٍ معنوي واحد.
نحن والآخر: تفكيك منطق الانقسام
يتناول الكتاب آلية تقسيم الناس إلى “نحن” و”هم” باعتبارها بنية ذهنية متجذرة، الخطاب الاجتماعي والإعلامي يسهم في ترسيخ هذه الثنائية، ويحول الاختلاف إلى قطيعة. يدعو الحسناوي إلى إعادة تعريف الانتماء على أساس الشراكة لا الاصطفاف، وعلى أساس المواطنة المتعددة التي تحتضن التنوع ضمن إطار جامع. في هذا السياق تظهر فكرة الهوية المركبة، التي تسمح للفرد بحمل أكثر من انتماء من دون أن يشعر بالتناقض. التعدد يُقرأ بوصفه ثراءً، والمجال الوطني يتسع لهذه الطبقات المتراكمة من المعنى.
الهوية في زمن العولمة والفضاء الرقمي
في المحور الأخير يتوقف الكتاب عند سؤال الانتماء في عصر الشبكات الرقمية. الجغرافيا ما زالت أساساً للذاكرة، والفضاء الافتراضي أضاف طبقة جديدة من العلاقات والتمثلات. الهوية الرقمية الجمعية تفرض على المجتمع إعادة التفكير في معنى السيادة والانتماء، وفي علاقة الفرد بمجتمعه المحلي والعالمي. الطرح هنا يتسم بالتوازن؛ العولمة قوة تغيير واسعة التأثير، والتحدي يكمن في كيفية إدارتها بحيث تتكامل مع الجذور بدلاً من أن تقتلعها.
أسلوب الكتاب ورؤيته يمزج الحسناوي بين السرد الشخصي والتحليل الثقافي، ما يمنح النص حرارة إنسانية ويقرب الأفكار من التجربة اليومية. البناء يقوم على مقالات مترابطة تتجمع تحت مشروع فكري واحد، ما يتيح تنوع الزوايا ويمنح القارئ مساحة للتأمل. مركزية فكرة الهوية الجامعة تمنح النص خيطاً ناظماً، وتكشف حجم الهاجس الذي يحركه.
الكتاب يقترح أن تكون الهوية مشروعاً مستمراً، يتحرك بين الذاكرة والمستقبل، وبين الجذر والعاصفة. سؤال الهوية يظهر بوصفه نقطة انطلاق لإعادة بناء المعنى المشترك، في بلدٍ متعدد الطبقات والانتماءات. في هذا التوتر الخلاق بين الثبات والتحول، يقيم النص منطقه ويضع القارئ أمام مسؤولية التفكير في كيفية تحويل التعدد إلى قوة والذاكرة إلى طاقة والهوية إلى أفقٍ جامعٍ يتجدد مع كل مرحلة من مراحل التاريخ العراقي.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير