رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
اضطرابات الهوية السياسية


المشاهدات 1049
تاريخ الإضافة 2026/02/15 - 9:48 PM
آخر تحديث 2026/02/16 - 12:51 AM

 اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يقصي الوطن لحساب الجماعة، ويحول المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص، محكوم بالعصبية، ومسكون بهاجس الدفاع عن الهوية الفرعية لا الهوية الوطنية الأصلية. حين تغدو القومية أو الطائفة هي الهوية الأصلية، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، لا يعود للوطن معنى ينطبق على المواطنين كلهم، وليس للمصالح والمصائر والذاكرة والثقافة والتاريخ المشترك أثر في بناء الدولة. تختفي عندئذ المواطنة خلف الانتماء القومي أو الطائفي، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن. يغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها مشروط بولاء مواز أو سابق للجماعة، ومثل هذا الوضع لا يسمح ببناء عقد اجتماعي يجتمع عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية القومية أو الطائفية، وتختزل الهوية الوطنية فيها، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بأبناء بلده. يصبح الوطن ساحة صراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المشتركة.
تفشت في جيلنا، والجيل الذي سبقنا اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي قبل أن ينتمي لوطنه ينتمي إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية المنضوية في محوره، أو إلى الصين والدول الاشتراكية التي تدور في فلكها. وكان القومي العربي، قبل أن ينتمي لوطنه، ينتمي إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية، وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي كان أكثر الحكام العرب براعة في تجييش الجماهير، وأمهرهم في ابتكار الشعارات الصاخبة. وأخيرًا، صار من ينتمي إلى الإسلام السياسي ينتمي إلى الدول الدينية، كل على وفق مرجعيته المذهبية، لا على وفق انتمائه الوطني.
اضطرابات الهوية السياسية عشتها بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيّلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يشكّل الهوية الأصلية للإنسان، وأن العقيدة قائمة في فراغ، بلا أرض ولا تاريخ ولا مجتمع، فاختلط علينا معنى الإعتقاد الديني بمعنى الانتماء السياسي، وتماهت العقيدة مع المشروع الأيديولوجي، حتى غدت بديلاً عن الوطن، وملاذًا نفسيًا يعوّض الهوية الوطنية الهشة. في أفق هذا الوعي المأزوم لم نرَ أنفسنا أبناء أرض محددة ولا شركاء في مصير جماعي، بل جنودًا في فكرة عابرة للحدود تستمد معناها من نصوص مؤدلجة أكثر مما تستمده من خبرة العيش المشترك على أرض واحدة. لم يكن هذا الاضطراب حالة فردية، إذ ولّدته بنى فكرية رأت في العقيدة هوية مكتفية بذاتها، ورأت في الوطن كيانًا طارئًا، فتجلى في خطاب يقدم الولاء الأيديولوجي على الانتماء الوطني، في فضاء وعي سياسي يتعامل مع المختلف بوصفه خصمًا وجوديًا لا شريكًا في المصالح والمصائر، كما ظهر في تصور الدولة أداة مؤقتة لخدمة المشروع العقائدي لا إطارًا جامعًا لكرامة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم، وبرز أيضًا في انتقال بعض الأفراد بين أيديولوجيات متناقضة دون مراجعة نقدية عميقة، لأن الهوية عندهم لم تتأسس على تجربة إنسانية حيّة، وإنما على حاجة نفسية إلى اليقين والانتماء. 
يتجلى هذا الاضطراب كذلك حين يُختزل الصراع السياسي في ثنائيات مغلقة من نوع الإيمان والكفر أوالخير والشر أو الحق والباطل، فيغيب النظر للسياسة بوصفها ظواهر إنسانية مركبة معقدة تتصارع فيها شبكات مصالح متضادة. ولا ينظر للسياسة بوصفها فن إدارة الاختلاف، وضمان المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين، فيتحول الخصم السياسي إلى عدو أخلاقي، وتغدو الدولة ساحة صراع، لا فضاء تعاقديًا يضمن الحقوق والحريات ويصون التعدد. حين يختلط المقدس بالسياسي، وتُنزَع الديانة من معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، يتعمّق الاغتراب، ويضيع الإنسان في يقين مغلق وهوية مضطربة. لا تستقيم الهوية السياسية إلا حين تُبنى على مركزية الإنسان وكرامته وحقوقه، وحين يُعاد الدين إلى أفقه الوجودي بوصفه أفقًا روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا للمعنى، وتُعاد السياسة إلى معناها الوطني، ويُفهم الوطن بوصفه النصاب الضامن للعيش المشترك، لا ميدانًا لتصفية العقائد. 
لم نكن ننتمي إلى الأوطان بوصفها أرضًا حيّة تتشكّل فيها الثقافة والذاكرة والهوية الوطنية، ويتراكم فيها التاريخ، وتلتقي فيها المصالح، وتُنسَج فيها المصائر المشتركة التي توحّدنا مع أبناء وطننا الذين نتقاسم معهم العيش اليومي وهموم الحياة وآفاق المستقبل. كان انتماؤنا يتجه إلى أيديولوجيا سياسية عابرة للجغرافيا والتاريخ والذاكرة والثقافة واللغة، منفصلة عن المصالح الفعلية والمصير المشترك لأبناء الوطن، حتى انقلب معيار القرب والبعد، وصار من يعتنق هذه الأيديولوجيا، وإن كان في أقصى الأرض، أقرب إلينا وجدانيًا ورمزيًا وروحيًا وأخلاقيًا من ابن الوطن الذي نشترك معه في الأرض والتاريخ والثقافة والذاكرة والمصالح والمصير الواحد. في هذا الفضاء المختل تراجعت الهوية الوطنية إلى الهامش، وتقدمت هويات مؤدلجة تغذي شعور الانتماء الوهمي، وتعمّق القطيعة مع الواقع المعيش، فغدا الوطن هوية ثانوية، وغدا الإنسان معلّقًا بين خطاب كلي مجرّد وحياة واقعية لا يجد نفسه فيها.
اغتراب الهوية الوطنية السياسي يتولّد حين تنفصل السياسة عن خبرة العيش المشترك، وحين تختزل الهوية في شعارات أيديولوجية مجردة لا تمت بصلة إلى الأرض التي يعيش عليها الإنسان، ولا إلى التاريخ الذي تشكّل فيه وعيه وذاكرته وهويته، ولا إلى الثقافة التي صاغت لغته ووجدانه. في سياق هذا الاغتراب يفقد الوطن معناه بوصفه فضاءً جامعًا للمصير المشترك، ويتحوّل إلى مفهوم عابر أو تفصيل ثانوي، بينما تتقدم انتماءات سياسية ضيقة تستمد مشروعيتها من يقين أيديولوجي مغلق، لا من احتياجات المواطنين ولا من كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم. عندئذ يتعمّق الاغتراب السياسي، ويزداد اغتراب الهوية الوطنية، فتتصدع الصلة بالأرض، ويضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه الشركاء في الوطن، ويغدو المختلف سياسيًا غريبًا أخلاقيًا، لا شريكًا في المصير. هذا النمط من الوعي لا ينتج مواطنة، ولا يبني دولة، لأنه يقطع الصلة بين الإنسان ومحيطه التاريخي والاجتماعي والثقافي، ويحول السياسة من أفق لتنظيم الاختلاف إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام، فيعيش الإنسان حالة انفصال داخلي، لا ينتمي فيها كامل الانتماء إلى وطنه، ولا يجد في الأيديولوجيا التي يتماهى معها وطنًا فعليًا يحتضنه، فيبقى معلّقًا في فراغ الهوية، فاقدًا للطمأنينة، ومحرومًا من معنى الانتماء الذي لا يتحقق إلا في وطن يعترف بتعدده، ويصون كرامة وحقوق جميع أبنائه.
 لم أكتشف هويتي الوطنية العراقية، ولم يتكرس انتمائي العميق إلى وطني، إلا بعد تشردي في المنافي، وعيشي سنوات طويلة في أكثر من دولة، كنت أعاني فيها كلها من نظرة الآخر إليّ على أني أجنبي. استفاقت هويتي الوطنية حين شعرت بمتعة الخلاص من غربة ناهزت ربع قرن بين المنافي، وتذوقت بهجة الكرامة تحت سماء وطني، إذ لا سماء كسماء وطني تلهمني الثقة والعزة، وأنا أعيش مجددًا بأرض ولدت عليها ونشأت فيها، ومنحتني هويتها وزودتني بذاكرتها العريقة الملهمة.


تابعنا على
تصميم وتطوير