
شهدت العاصمة بغداد يوم الجمعة الموافق 6 شباط 2026 حدثاً ديمقراطياً بارزاً تمثل في إجراء انتخابات نقابة الصحفيين العراقيين في دورتها الثالثة والعشرين، والتي لم تكن مجرد عملية انتخابية عادية، بل محطة مفصلية جسدت أرقى معاني الشفافية والنزاهة، بفضل الدور المحوري الذي اضطلع به مجلس القضاء الأعلى.
ففي زمن تعصف بالمنطقة تحديات جسام، أثبت القضاء العراقي مجدداً أنه الحصن الحصين لإرادة الناخبين، والضامن الحقيقي لحياد الصناديق. فقد كان الإشراف القضائي المباشر على هذه الانتخابات هو «صانع الثقة» بامتياز. فمنذ اللحظات الأولى لانطلاق فعاليات المؤتمر الانتخابي، لم يكن القضاء مجرد مراقب سلبي للأحداث، بل شريكاً فعلياً وفاعلاً رئيسياً في إدارة العملية برمتها.
وقد تجلت صورة العدالة الناصعة في الميدان العملي من خلال تواجد 57 معاوناً قضائياً أشرفوا بدقة متناهية على إجراءات الاقتراع والعد والفرز اليدوي، في مشهد يعكس حرص السلطة القضائية على حماية صوت الصحفي، ناقل الحقيقة، كما يحمي حريته. ولعل أبلغ دليل على عظمة المسؤولية التي تحلى بها القضاة، ما بذلوه من جهد استثنائي عبر ساعات العمل الطويلة والمضنية. فقد استغرقت عملية فرز الأصوات أكثر من ثماني عشرة ساعة متواصلة من العمل الدقيق والمتواصل، أظهر خلالها القضاة صبراً استثنائياً وحرصاً شديداً على عدم حدوث أي خرق قد يمس النزاهة.
هذا التفاني جعل المراقبين المحليين والدوليين، بمن فيهم ممثلو الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب، يشهدون على انسيابية العمل وهدوئه، وخلوه من أي تشكيك أو إشكالات تذكر.. هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة نهج متكامل أرسى دعائمه رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي الدكتور فائق زيدان، الذي طالما أكد في لقاءاته مع الأسرة الصحفية على أن القضاء هو الداعم الأول للعمل النقابي المهني والحصن المنيع للحريات.
إن توجيهاته بتوفير الكوادر القضائية للإشراف على انتخابات النقابة تعكس قناعة راسخة بأن استقرار نقابة الصحفيين، بصفتها ممثلة للسلطة الرابعة، هو ركيزة أساسية للاستقرار الديمقراطي في العراق .
لقد انعكس هذا الدور القضائي المشرف إيجاباً على سلوك جميع الأطراف.
فالناخب الصحفي دخل إلى «العرس الانتخابي» وهو مطمئن بأن صوته في أيدٍ أمينة، وتنافس المرشحون في أجواء اتسمت بالروح الرياضية، إذ تقبل الجميع النتائج بوصفها مخرجاً طبيعياً لممارسة قانونية عادلة.
وقد أسفرت هذه النزاهة عن فوز خالد جاسم بمنصب نقيب الصحفيين، ومؤيد اللامي وجبار طراد نائبين له، في نتائج عكست إرادة الهيئة العامة بلا غبار ولا ظلال شك.
إن التهاني الرسمية التي تلت هذا النجاح من قبل رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ورئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم، لم تكن مجرد بروتوكول سياسي، بل اعتراف صريح بأن «نزاهة القضاء» كانت العنوان الأبرز لهذا الاستحقاق .
وما تهنئة رئيس هيئة النزاهة محمد علي اللامي للأسرة الصحفية إلا تأكيد إضافي على أن العملية جرت في بيئة نظيفة خالية من الشبهات.
ختاماً، تبقى انتخابات نقابة الصحفيين العراقيين 2026 نموذجاً يحتذى به للتعاون المثمر بين السلطات.. أثبتت أن القضاء المستقل والشفاف هو الضمانة الأكيدة لممارسة الحريات، وأن تحالف «السلطة القضائية» مع «السلطة الرابعة» هو تحالف استراتيجي لحماية القانون وحرية التعبير، وبناء دولة المؤسسات.. كل الشكر والتقدير لقضاة العراق الأجلاء، الذين رسموا بقلم العدالة أبهى صورة للعراق الديمقراطي.