
يقال في أمثالنا التي يقال منها وفيها الكثير “القشة التي قصمت ظهر البعير”. إستعنت بغوغل لكي يفسر لنا مثلا عربيا جاءنا من عمق التراث. غوغل يقول إن رجلاً كان يحمل جملَه أحمالاً ثقيلة جداً، وعندما وصل لحده، أضاف “قشة” صغيرة، فانكسر ظهر الجمل. الحقيقة أن الأحمال الثقيلة هي السبب، والقشة كانت مجرد عامل نهائي. هذا ما يقوله غوغل الذي يضيف أن هذا المثل يُضرب للحدث الصغير أو التصرّف البسيط الذي يبدو غير مهم، لكنه يسبب انهياراً كاملاً أو رد فعل عنيفاً (معنوياً أو مادياً) لأنه يأتي بعد سلسلة طويلة من التراكمات والمشاكل التي وصلت بقدرة التحمل إلى أقصاها، ويُستخدم للتعبير عن نفاد الصبر أو حدوث الكارثة. شخصياً، ولا أنتم، أي القراء، شاهد يوما جملا بجلالة قدره يحمل على ظهره أطنانا من المياه طبقًا لقول شاعرنا “العيس في البيداء يقتلها الظمأ .. والماء على ظهورها محمول” ينكسر أو “ينقصم” ظهره لأن “قشة” أ قطرة ماء حسب هذه المقاربة تسببت بذلك.
لكن دعونا ننقل هذه القصة الإفتراضية الى أرض الواقع، بحيث نضع مقابل القشة تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المناهضة للمالكي، ومقابل الجمل النظام السياسي في العراق، نجد هنا أن هذا المثل الذي بقي مجرد مثل إفتراضي على مدى دهور، أو فضائي لكن ليس طبقا لكائنات باراك أوباما الفضائية بل طبقاً لمقاربتنا نحن، فإن تغريدة ترمب قامت من الناحية العملية لا الإفتراضية ما قد قامت به القشة. لكن من الناحية العملية بقيت القشة قشة والبعير بعير يحمل ما لذ وطاب دون أن يفقد وزنه أو توازنه، لأنه لا يقوم على أساس هش يمكن أن يتأثر بأي هبة ريح.
غير أن المقاربة تبدو مختلفة تماما، وبكل أسف، عندما نطبقها على أزمة نظامنا السياسي. فهنا ينطبق وصف القشة “التغريدة” واقعيا على النظام السياسي ما كانت قامت به القشة إفتراضيا بشأن ظهر البعير الذي بقي سالما مسلحا، بينما قشة ترمب أو تغريدته، لا فرق، قصمت ظهر التوافقات السياسية بكل ما تتضمنه من وعود وعهود وبرقيات وتحيات. بقي أن أشير الى أنني إستلهمت فكرة مقالي لهذا الأسبوع من تغريدة للزميل عبد الهادي مهودر نائب رئيس التحرير، إذ أن تغريدة مهودر كانت قد قصمت سلسلة أفكاري وخياراتي بشأن ماذا أكتب للزوراء هذا الأسبوع. يقول الزميل مهودر في تغريدته المعبرة عن حقيقة ما يجري “ تغريدة واحدة أربكت المشهد السياسي، وكشفت الضعف والهشاشة وفعلت فعلها، وأدت الغرض وغيرت إتجاه البوصلة”. ويضيف مهودر “هذه النتيجة هي زبدة وخلاصة الواقع وتجربة الـ 23 سنة”. وأضيف .. لاجن هزيتي ولوليتي.