
لم تكن النقاشات التي دارت حول مقالي عن «جزيرة إبستين» الذي نُشر تحت عنوان « الصحافة الإستقصائية تُسقط الوهم» نقاشاتٍ عابرة عن فضيحة أخلاقية، بقدر ما تحولت إلى مساءلة عميقة لمعنى الصحافة ذاتها، ودورها، وأدواتها، وحدودها الأخلاقية. وقد التقت معظم المداخلات، من زملاء أعزاء وزميلات كريمات، عند حقيقة واحدة، هي أن جوهر القضية لم يكن في الحدث، بل في الصحافة الاستقصائية بوصفها آخر خطوط الدفاع عن العدالة حين تصمت المؤسسات، أو تُخترق، أو تُشترى.
فقد ذهبت مداخلة الزميل د. صباح ناهي، مباشرة إلى لبّ المسألة حين شددت على أن الصحافة الاستقصائية ليست صحافة حدث، بل صحافة نَفَس طويل، وصبر، ومعرفة، وقدرة على تفكيك طبقات النفوذ التي تحيط بالجريمة. فالقضية لم تُغلق بانتحار إبستين، لأن هناك صحافة لم تقبل أن تكون شاهداً صامتاً، بل قررت أن تكون خصماً معرفياً للسلطة والمال معاً. وتتلاقى هذه الرؤية مع ما ذهبت إليه الزميلة فائدة آل ياسين، حين رأت في الصحافة الاستقصائية فعلاً أخلاقياً شجاعاً، لا يقوم على الجرأة وحدها، بل على الوثيقة، والدليل، والتراكم، وعلى وجود مؤسسة صحفية تحمي الصحفي وتمنحه غطاءً قانونياً ومهنياً، هنا لا يعود الصحفي بطلاً فردياً، بل جزءاً من منظومة مهنية تؤمن بأن الحقيقة مشروع جماعي، لا مغامرة شخصية. وفي هذا السياق اختصر د . ياس خضير البياتي الأمر بالقول أن المقالة تعيد إحياء دور الصحافة الاستقصائية كسيفٍ يُسقط وهم النفوذ، مستلهمة قصة إبستين كنموذجٍ للمثابرة والحقيقة . وأعاد الزميل محمد خليل التميمي فتح سؤال الصحافة الورقية، لا بوصفها وسيطاً تقنياً مهدداً بالاندثار، بل كمؤسسة معرفية حيّة ما زالت قادرة ، حين تتوافر لها الحرية والبنية المهنية، على إنتاج تحقيقات كبرى تهزّ العالم. الأرقام التي أوردها عن الصحف الغربية، من حيث أعمارها، وعدد العاملين فيها، وحجم غرف الأخبار، وعدد الصفحات اليومية، لا تُقرأ بوصفها مفاخرة، بل كدليل قاطع على أن الورق لا يموت عندما يُحمَّل بوظيفة الرقابة، والتحقيق، والتوثيق، والذاكرة.
من مجموع هذه الأصوات، وغيرها لزميلات وزملاء واصدقاء أعزاء، لا يتسع المجال لنشرها في هذا الحيز المحدود يتضح أن أزمة الصحافة الورقية في عالمنا العربي ليست أزمة ورق، بل أزمة حرية، وتشريع، واستقلال اقتصادي، وإرادة سياسية تقبل بالمساءلة. فالصحافة الورقية حين تُختزل في إعادة إنتاج البيانات أو اللهاث خلف الخبر العاجل، تفقد مبرر وجودها. لكنها حين تتحول إلى حاضنة للتحقيقات الاستقصائية، تصبح أكثر حداثة وتأثيراً من أي منصة رقمية عابرة. ذلك أن الصحافة الاستقصائية، في جوهرها، ليست ترفاً مهنياً، ولا نشاطاً نخبوياً، بل ضرورة أخلاقية في عالم يتقن إخفاء جرائمه خلف المال والسلطة والصمت. وهي، حين تُمارَس بصدق، تعيد الاعتبار للصحافة الورقية، وتمنحها شباباً متجدداً، لأنها تكتب للتاريخ، لا للترند . ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، كما طرحه الزملاء بمرارة محبّة، هل آن الأوان لأن نعيد تعريف أولويات صحافتنا؟ وهل نمتلك الشجاعة لنؤثر صحافة الحقيقة على صحافة السلامة ؟ .