رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
أعلام الأنبار ... السيرة بوصفها ذاكرة


المشاهدات 1059
تاريخ الإضافة 2026/02/22 - 10:36 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:36 AM

ليس من السهل أن تتحول الجغرافيا إلى نصّ، ولا أن تُستعاد المدن عبر وجوه ناسها، من دون الوقوع في فخّ الحنين المجرد أو التعداد الجاف للأسماء. لكن الصحفي نهاد الحديثي، في كتابه « الأنبار.. أعلام وأقلام»، ينجح في اجتراح هذا التوازن الصعب، وهو يقدّم للقارئ عملاً توثيقياً - صحفياً ينهض على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها: الأنبار تُقرأ من خلال ناسها، وتُفهم عبر أقلامهم ومساراتهم في الحياة العامة. الكتاب، الصادر عن دار توليب للطباعة والنشر والتوزيع، يضم بين صفحاته ما يزيد عن تسعين شخصية عامة دينية وأكاديمية وصحفية وفنية وأدبية، وأطباء ومهندسينوباحثين، ينتمون إلى مدن محافظة الأنبار، أو ارتبطت مسيرتهم بها ارتباطاً عضوياً. وهو بهذا المعنى لا يقدّم سِيَراً بالمعنى الأكاديمي الصارم، بقدر ما يرسم خرائط إنسانية وثقافية، تتجاور فيها السياسة مع الصحافة، والدين مع الأدب، والفن مع الذاكرة الاجتماعية. ومنذ العنوان، يعلن الحديثي انحيازه إلى القلم بوصفه أداة فهم قبل أن يكون أداة كتابة. فـ» الأعلام» هنا ليسوا مجرد أسماء لامعة، بل علامات دالّة على تحولات اجتماعية وثقافية عاشتها الأنبار، و» الأقلام « ليست أدوات مهنية فحسب، بل ضمائر كتبت، وشهدت، ودفعت أثماناً في كثير من الأحيان. ينطلق الحديثي من خبرته الطويلة في العمل الصحفي، ليقدّم نموذجاً لما يمكن تسميته التوثيق الصحفي الهادئ،ذلك التوثيق الذي لا يرفع صوته، ولا يدّعي الحسم النهائي، لكنه يصرّ على تثبيت الشهادة قبل أن تبتلعها الذاكرة المتعبة أو تضيع في زحام النسيان. فالمقالات التي يضمها الكتاب، وقد نُشر معظمها سابقاً في صحف ومواقع مختلفة، أعيد جمعها في سياق واحد، يمنحها معنى إضافياً، ويحوّلها من نصوص متفرقة إلى مشروع ذاكرة. ولا يتعامل الكاتب مع شخوصه بوصفهم أيقونات معصومة، ولا يضعهم في قوالب احتفالية جاهزة. بل يقدّمهم كما هم،أبناء زمنهم، وشهود وقائعهم، وصنّاع مواقفهم. وهو، في ذلك، يستفيد من مرونة الأسلوب الصحفي، الذي يسمح بالمعلومة، والانطباع، واللمسة الإنسانية، من دون أن يفقد النص رصانته.
يمتاز قلم نهاد الحديثي بمرونة واضحة، تجمع بين وضوح العبارة وسلاسة السرد. فهو يقدّم المعلومة من دون استعراض، ويترك للقارئ مساحة للتأمل والحكم. وفي كثير من المواضع، يشعر القارئ أن الكاتب لا يكتب من موقع الراصد البعيد، بل من موقع الشاهد القريب؛ ذاك الذي عاش الأحداث، ولامس وجوهها، واحتفظ بمسافة أخلاقية تحمي النص من الانفعال. إنها كتابة تعرف أن الصحافة ليست سباقاً على العناوين، بل مسؤولية ذاكرة. ولذلك تأتي المقالات متحررة من اللغة المتشنجة، ومن الانزلاق إلى التوصيفات الحادة، مكتفية بإضاءة الوقائع، وتركها تتكلم.
ما ينجزه هذا الكتاب، في جوهره، هو إعادة تقديم الأنبار بوصفها معنى ثقافياً وإنسانياً، لا مجرد مساحة جغرافية ارتبط اسمها، في سنوات قاسية، بالعنف والأخبار السوداء. فالأنبار التي يكتبها الحديثي هي أنبار المدارس، والمساجد، والصحف، والمراسم الفنية، والمجالس الأدبية، أنبار الرجال والنساء الذين كتبوا، ودرّسوا، وغنّوا، وواجهوا، وبقوا. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب، لا بوصفه أرشيفاً للأسماء فقط، بل باعتباره موقفاً أخلاقياً من التاريخ القريب. فالمقالات التي قد تنسى في أرشيف الصحف، تجد في هذا الكتاب فرصة ثانية للحياة، وتتحول إلى وثائق يمكن الرجوع إليها، والبناء عليها، وتصويبها إن لزم الأمر.كما لا يمكن فصل هذا الجهد عن سيرة نهاد الحديثي نفسه، الصحفي الذي بدأ مسيرته منذ مطلع الثمانينيات، وتدرّج في العمل الإعلامي، وتولى مواقع مهنية وإدارية، من دون أن يبتعد عن جوهر الكتابة. خبرته الطويلة في الصحافة، وإيمانه بخطورة الكلمة، ينعكسان بوضوح في هذا العمل، الذي يبدو امتداداً طبيعياً لمسار مهني اختار الانحياز إلى القلم الحر، وإلى التوثيق المسؤول.
« الأنبار.. أعلام وأقلام» ليس كتاباً للاحتفاء فقط، ولا هو سجل أسماء عابر. إنه محاولة جادة لإعادة الاعتبار لفكرة أن الأمكنة تُحفظ بأهلها، وأن التاريخ يُكتب بالشهادة قبل أن يُكتب بالحكم. وفي زمن تتكاثر فيه السرعة، وتبهت فيه الذاكرة، يأتي هذا الكتاب ليذكّرنا بأن للصحافة وظيفة أبعد من الخبر العاجل: أن تكون شاهدة، وأمينة، ومنصفة قدر ما تستطيع. ولا تكتمل قيمة هذا الكتاب عند حدّ التعريف بالشخصيات أو استعادة سيرها المهنية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى كونه وثيقة ضمير لمرحلة عراقية شديدة التعقيد، اختلط فيها الوطني بالمهني، والإنساني بالعام. فالأنبار التي يستحضرها نهاد الحديثي ليست محافظة على هامش التاريخ، ولا فضاءً عابراً للأحداث، بل حاضنة لطاقات بشرية أسهمت، بصمتٍ أحياناً وبجرأة أحياناً أخرى، في تشكيل الوعي العراقي الحديث.
يمتلك كتاب « الأنبار .. أعلام وأقلام « قيمة مضاعفة لأنه يُكتب من الداخل، من معرفة مباشرة بالناس والأماكن، ومن احتكاك يومي بالمهنة وهمومها. فالحديثي لا ينظر إلى شخوصه من علٍ، ولا يضع نفسه قاضياً على مساراتهم، بل يترك الوقائع تتكلم، ويكتفي بتوجيه الضوء نحو ما يستحق أن يُرى. وهذا ما يمنح النص صدقيته، ويجعل القارئ يشعر أنه أمام شهادة لا أمام مرافعة. وفي زمنٍ تتبدد فيه الذاكرة الجماعية تحت وطأة السرعة والتسييس، يقدّم الكتاب درساً عملياً في أهمية التوثيق الهادئ، وفي ضرورة أن تتصدى الأقلام المهنية لمسؤولية حفظ الأسماء والتجارب قبل أن يطويها النسيان أو يُعاد إنتاجها مشوّهة. إن جمع هذه المقالات في كتاب واحد هو، في حدّ ذاته، فعل مقاومة ثقافية، ورفض لأن تبقى الجهود الفردية مبعثرة في أرشيف الصحف. بهذا المعنى، يمكن القول إن الأنبار.. أعلام وأقلام لا يخصّ أبناء الأنبار وحدهم، بل يخصّ كل قارئ معني بفهم العراق من خلال ناسه، لا من خلال عناوينه الصاخبة. إنه كتاب يذكّرنا بأن الأوطان تُبنى بالكلمة الصادقة كما تُبنى بالفعل، وأن القلم حين يكون أميناً على ذاكرته، يصبح جزءاً من تاريخ لا يزول حين يحول أن يحوّل السيرة الفردية إلى جزء من سيرة وطن.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير