رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الجواهري بين الكرامة والتوظيف الرخيص


المشاهدات 1056
تاريخ الإضافة 2026/02/22 - 10:37 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:40 AM

ليست المسألة مشهدًا عابرًا في فضاء رقمي سريع النسيان ، ولا لقطة يمكن تجاوزها بوصفها اجتهادًا قابلاً للأخذ والرد .. المسألة أعمق من ذلك بكثير ، لأنها تمسّ رمزًا ثقافياً بحجم محمد مهدي الجواهري ، وتضعه في سياق يوحي رمزيًا بخدمة شخصية سياسية ، وهنا يتحول الامر ليصبح سؤالًا أخلاقيًا وثقافيًا بالغ الخطورة. 
الجواهري ليس صورة أرشيفية يمكن اقتطاعها من سياقها وإعادة تركيبها وفق مزاج اللحظة، هو تاريخ كامل من المواقف الحادة والقصائد التي وُلدت من رحم الصراع مع الظلم والكلمات التي لم تُكتب لتُرضي سلطة بل لتواجهها ،  كان الكبير الجواهري شاعراً صائراً حين لزم الأمر وصوتاً جهورياً حين خيّم الصمت ولذلك فإن أي محاولة لتقديمه في مشهد يوحي بالتودد أو الخدمة لرمز سياسي ، تمثل انقلابًا على دلالته التاريخية قبل أن تكون إساءة شخصية.  الأدب حين يكون صادقًا يعيد قراءة الرموز بوعي وسياق واحترام ، أما حين يُنتزع الرمز من تاريخه ليُوضع في مشهد صادم بغرض الإثارة فذلك ليس ادباً بل توظيف سطحي يستند إلى الصدمة بدل الفكرة الصدمة قد تجذب الانتباه لحظيًا لكنها لا تصنع قيمة ولا تبني خطابًا مسؤولًا ،  إن الخطورة تكمن في الدلالة في الجمع المتعمد بين رمز شعري ادبي ارتبط اسمه بالكرامة والصلابة وبين صورة سياسية ، في هذا المزج يتم خلق إيحاء معاكس لكل ما مثّله الجواهري في الوعي الجمعي  وحين تُشوَّه الدلالة، تُشوَّه الذاكرة ، وحين تُختزل القامات، يُختزل التاريخ. ليس مطلوبًا من أحد أن يقدّس الرموز، لكن إعادة صياغة الصورة الرمزية بما يناقض جوهرها شيء آخر ، الجواهري يمكن أن يُناقش شعره، تُحلّل مواقفه، يُختلف معه أو يُتفق أما أن يُستعمل كأداة بصرية في مشهد يوحي بالتطبيع مع شخصية سياسية ذلك عبث لا يمكن تسويغه بذريعة الحرية، الحرية مسؤولية ، والإبداع مسؤولية مضاعفة، والتعامل مع رموز الأمة مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون خيارًا شخصياً،  إن المجتمعات التي تتهاون في حماية رموزها الثقافية ، تفتح الباب تدريجياً لتفريغ ذاكرتها من معناها الرمز ليس مجرد فرد هو اختزال للقيم والجواهري اختزال لقيمة الكلمة الحرة ، فإذا جرى تصويره ولو رمزيًا في سياق يوحي بعكس تلك القيمة، فإن الضرر يتجاوز المشهد إلى ما هو أعمق من تشويش المعنى في الوعي العام. 
من أراد مواجهة الفساد ، فليواجهه مباشرة،  من أراد نقد التاريخ ، فليكتب دراسة جادة، أما اللعب بالصور الرمزية لتحقيق انتشار سريع على حساب التاريخ والحضارة هو ليس سوى استسهال يفتقر إلى العمق والشجاعة. لقد كان الجواهري شاعر موقف لا شاعر مناسبات شاعراً يكتب بضمير لا بإملاء ، شاعراً ارتبط اسمه بالرفض حين يستدعي الأمر الرفض وإعادة تقديمه في صورة توحي بالخضوع والاذلال هي قراءة معكوسة لتاريخه المشرف الذي تتشرف به الامة العربية جمعاء ، بل هي محاولة لتطويع رمزيته بما يخدم سردية لا تشبهه ولا تشبه حرف من ادنى قصيدة لديه ، فالتاريخ لا يُعاد إنتاجه بالمونتاج والرموز لا تُختزل في مشهد رخيص مبتذل ملتبس. 
سيبقى محمد مهدي الجواهري في ذاكرة الامة العربية والثقافة والحضارة بل سيبقى رمزًا للشموخ الشعري وصوتاً عالياً ارتفع حين انخفضت الاصوات ، ستبقى قصائده دالةً على عمق الفكر والوعي والانسان ، وسيبقى شعره شاهدًا على أن الكلمة هي موقفًا لا جمع حروف ،  أما الفيديو ، فسيبقى علامة على أزمة وعي في فهم الرموز الادبية وعلى خلل عقول من صممه واخرجه، فالرمز حين يُمسّ لا يُدافع عنه بدافع العاطفة وحدها بل بدافع الوعي والوعي يرفض أن يُختزل تاريخ كامل في لقطة عابرة تصور ذلة التاريخ مهما كانت مبرراتها .الكبار لا يُعاد تعريفهم بمشاهد سطحية ، والجواهري لايمكن تعريفه بمشهد . 


تابعنا على
تصميم وتطوير