
رغم اتساع حركة البناء في بغداد ومعظم المحافظات وكثرة اللوحات التي تعلن عن مشاريع سكنية استثمارية جديدة إلا أن المواطن نادرا ما يرى مشروعاً يُسلم في موعده المحدد فالمجمعات السكنية والمراكز التجارية تبدأ بحجر أساس واحتفالات رسمية لكنها تتحول مع مرور السنوات إلى مواقع عمل مفتوحة بلا نهاية واضحة. وبينما يفترض أن تكون إجازة الاستثمار عقداً زمنياً ملزما بين الدولة والمستثمر الا انها أصبحت في الواقع موعدا تقديريا يمكن تمديده مرارا دون مساءلة حقيقية. وهكذا لم تعد مشكلة الاستثمار في العراق نقص المشاريع بل غياب الالتزام بتنفيذها ضمن الزمن المعلن، الأمر الذي انعكس مباشرة على ثقة المواطن بأداء الجهات المشرفة وكل المشاريع الاستثمارية نفسها. اريد من هيئة الاستثمار ان تعطيني مشروعا واحدا فقط تم انجازه في موعده. وتشير البيانات إلى أن هيئة الاستثمار منحت آلاف الإجازات الاستثمارية لكن المنجز فعليا محدود وقد سُحبت إجازات أكثر من ألف مشروع بسبب عدم المباشرة أو التلكؤ. ورغم صدور قرار لمجلس الوزراء بسحب إجازة أي مشروع يتجاوز موعد إنجازه بثلاث سنوات إلا أن الاستثناءات والتسويات ما تزال قائمة، الأمر الذي يفقد النصوص التنظيمية أثرها العملي.
في معظم دول العالم يُقاس نجاح الاستثمار بالالتزام بالوقت فالمستثمر الذي يتعهد بإنجاز مشروع خلال ثلاث سنوات ويسلمه في المدة نفسها يعد ناجحا حتى لو لم يكن المشروع مثاليا أما في العراق فقد أصبح العكس هو القاعدة فالمواطن لم يعد يسأل متى سيُفتتح المشروع بل صار يسأل هل سيُفتتح أصلاً او هل سيتم انجازه؟ فالمدد المعلنة غالبا ما تكون لسنتين او ثلاثة لكنها عمليا تتحول إلى خمس أو سبع سنوات وربما اكثر بكثير لتصل الى 15 سنة تاخير في بعض الاحيان وأحياناً إلى مشاريع مفتوحة بلا سقف زمني واضح حتى أصبح التأخير هو القاعدة والإنجاز في موعده هو الاستثناء رغم توفر البيئة الامنة وعدم حدوث اي عمليات ارهابية تعيق العمل.
ومن أخطر المشكلات أن بعض المستثمرين لا ينظر إلى إجازة الاستثمار باعتبارها التزاما بإنشاء مشروع بل باعتبارها امتيازا اقتصادياً فالقانون يمنح إعفاءات جمركية واسعة على استيراد المواد الأولية والمعدات ومواد البناء بهدف تقليل كلفة المشروع وتسريع تنفيذه إلا أن هذه الامتيازات تُستغل أحياناً بشكل معاكس إذ يتم استيراد مواد معفاة وبيعها في السوق المحلية بدلاً من استخدامها في البناء فيتحقق الربح سريعا بينما يتباطأ التنفيذ وبذلك تتحول الإجازة الاستثمارية من أداة تنمية إلى نشاط تجاري مقنع وهذا ما كشفته هيئة الاستثمار في عدة مرات وتم سحب اجازة الاستثمار من اصحابها. من السهولة بمكان ان تقوم جهات رقابية بمراجعة وتدقيق المواد الاولية التي استوردها المستثمر لمشروعه لمعرفة ما تم استخدامه في المشروع فعليا وتقوم بمحاسبته على بقية المواد وتحميله المسؤولية القانونية على ذلك.
كما أن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود إلى ضعف الامكانيات المالية للمستثمرين ففي الدول المتقدمة لا تُمنح رخصة مشروع كبير إلا بعد إثبات قدرة مالية وفنية حقيقية عبر ضمان مصرفي أو تمويل مؤكد دون الحاجة للاعتماد على بيع الوحدات السكنية بينما تعتمد مشاريع كثيرة في العراق على أموال المشترين أنفسهم حيث يبدأ المشروع ببناء محدود ثم تُعرض الوحدات للبيع على المخطط وتُستخدم دفعات المواطنين لإكمال البناء فإذا تباطأت المبيعات توقف العمل فوراً فيصبح الجدول الزمني مرتبطاً بحركة السوق العقاري لا بالخطة الهندسية.
وفي معظم دول العالم لا يُباع السكن عادة إلا بعد اكتمال نسبة كبيرة منه حيث يدفع المواطن مقدما بسيطا ثم يحصل على قرض مصرفي طويل الأجل قد يمتد من عشرين إلى ثلاثين سنة وبنسبة فائدة بسيطة لا تتجاوز4 بالمائة (MORTGAGE) ويتولى المصرف دفع قيمة العقار للمطور بعد التحقق من جدية المشروع. أما في العراق فالمعادلة معكوسة فالمشتري هو من يمول البناء قبل اكتماله ولذلك يشتري بيتا ليُسرّع الإنجاز لكنه عمليا يموّل بطءه. وكذلك لا يمكنك ان تجد الان مشروعا واحدا يستطيع فيه المواطن السكن مباشرة ويقوم بتسديد الاقساط الى المصرف فالمستثمر يريد استلام المبلغ كاملا من المشتري قبل تسليمه الوحدة السكنية.
وبرزت كذلك ظاهرة حصول أشخاص أو شركات بلا تاريخ رصين في التطوير العقاري ولا قدرة مالية حقيقية على أراضي في مواقع تجارية مميزة ثم يتجهون بعد ذلك إلى المصارف الحكومية للحصول على قروض كبيرة بضمانات ضعيفة ويبدأ التنفيذ ببطء لأن المشروع قائم على أموال القرض لا على تمويل مستقر. ومن الأمثلة التي يعرفها معظم سكان بغداد مشروع بناية مول بغداد في الحارثية وهو مشروع ضخم في موقع حيوي وسط العاصمة ورغم مرور سنوات طويلة على إطلاقه منذ عام 2011 ما زال غير مكتمل وما تم انجازه هو فقط ثلاثة طوابق للمول اما بقية الطوابق فما زالت متلكئة وهي التي تتضمن فندق خمس نجوم ومستشفى جراحات تخصصية وعيادات طبية.
ولا يقتصر الأمر على المشاريع التجارية فقد حصل مستثمرون في مشاريع سكنية أيضاً على قروض كبيرة من المصارف الحكومية لمعالجة أزمة السكن لكن اغلبها تعثر وتوقف قبل اكتماله ووصل الأمر في حالات إلى إجراءات قضائية وإيداع المستثمر السجن بينما بقي المشروع معلقاً والأموال العامة مبعثرة بين التنفيذ الجزئي والنزاعات القانونية. وقد تناول الاعلام قضية المستثمر نزار حنا مثالاً على مخاطر منح التمويل الكبير دون ضمانات تنفيذ كافية وهو الان يقبع في السجن وتطالبه الدولة باعادة مئات الملايين من الدولارات التي اخذها من المصرف العراقي للتجارة لتمويل مشروع سكني في البصرة. وبالتالي خسرنا المشروع وخسرنا اموال الدولة وخسر المواطن امواله ولم نعالج مشكلة السكن.
كما أن أرباح بعض المشاريع السكنية لا تقتصر على بيع الوحدات العقارية فقط بل تمتد إلى مصادر دخل مستمرة بعد تسليم المساكن إذ تفرض إدارات المجمعات على السكان اشتراكات شهرية لقاء خدمات الصيانة والحراسة والنظافة بالاضافة الى اجور المولدات الكهربائية وهي رسوم تكون في كثير من الأحيان أعلى بكثير من الكلفة الفعلية لتقديم الخدمة فتتحول من بدل صيانة إلى مورد ربحي دائم. ويضاف إلى ذلك قيام المستثمر بتأجير المحال داخل المجمعات للمطاعم والأسواق والصيدليات والخدمات التجارية بمبالغ إيجار مرتفعة نظرا لكون الزبائن مضمونين من سكان المجمع نفسه ما يوفر دخلا ثابتا طويل الأمد. وبذلك لا يقتصر ربح المشروع على بيع الشقق بل يمتد إلى عوائد تشغيلية متواصلة تجعل المشروع استثماراً دائماً لا مشروع بناء مؤقتاً. انا شخصيا اسكن في أحد المجمعات السكنية وسط بغداد وقد بدأت أعماله عام 2010 بحسب موقع هيئة الاستثمار ومع ذلك لم يكتمل حتى الآن، ومن المرجح أن يحتاج سنوات إضافية. ونحن نعيش يوميا وسط اتربة البناء واصوات اعمال التشييد. ان المخطط الأصلي للمشروع تضمن مستشفى ومدارس حكومية ومركز شرطة ومنطقة تجارية وفندق خمس نجوم، أي مدينة متكاملة، إلا أن ما تحقق اقتصر على مدرسة دولية أهلية يستفيد منها المستثمر بينما بقية الخدمات غير موجودة. كما لا تتجاوز المساحات الخضراء نحو 20% رغم أن المشروع قُدم أساساً كبيئة سكنية متكاملة لانه قام بتحويل بعض المساحات الخضراء الى بنايات جديدة. بالاضافة الى ذلك ندفع شهريا اجور خدمات قدرها 150 الف دينار لتغطية اجور الخدمات في مجمع فيه ستة الاف شقة سكنية فتخيل حجم ارباح المستثمر السنوية من اجور الخدمات فقط. ان تأخر المشاريع لا يسبب مشكلة اقتصادية فقط بل بيئية أيضا فالورشة التي يفترض أن تستمر سنتين تتحول إلى موقع إنشائي مفتوح لسنوات طويلة مع شاحنات يومية وغبار وضوضاء وطرق متضررة فتعيش الأحياء السكنية داخل مشروع دائم لا ينتهي. وبالتأكيد لا تجد اي رد لشكوى يقدمها المواطن ضد هذه الحالات.
والنتيجة الأخطر هي فقدان الثقة فالمواطن يرى مشاريع تستمر عشر سنوات دون اكتمال فيربط الاستثمار بالفشل والفساد. كما أدى التعقيد البيروقراطي والمخاوف المرتبطة بالفساد وضعف تنفيذ العقود إلى عزوف المستثمرين الكبار، وخصوصاً الأجانب، الذين يفضلون بيئات توفر وضوحاً قانونياً وسرعة في الإجراءات وهو ما يحرم العراق من رؤوس أموال وخبرات مهمة.
إن معالجة المشكلة لا تحتاج نصوصاً جديدة بقدر ما تحتاج تطبيقا حقيقيا عبر منع الاتجار بالمواد المعفاة واشتراط ضمانات مصرفية قبل منح الإجازة وربط الإعفاءات بمراحل الإنجاز ونشر نسب التنفيذ علنا واعتماد التمويل المصرفي العقاري بدل تمويل المواطنين وسحب الإجازة عند مخالفة المخطط أو الأسعار. كما ينبغي أن تمارس الجهات الرقابية وعلى رأسها هيئة النزاهة دورا فعليا في محاسبة المقصرين من موظفين أو مستثمرين لأن المساءلة بعد التعثر لا تعوض ضياع المال العام ولا سنوات انتظار المواطن. لابد من عقوبات رادعة على هؤلاء المستثمرين والمطورين الذين استغلوا ضعف الجهات الرقابية في محاسبة هذه المخالفات لتحقيق مكاسب ربحية فاحشة.