
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، تعود قضية ترسيم الحدود البرية والبحرية بين العراق والكويت إلى واجهة النقاش السياسي، وسط مؤشرات مقلقة على محاولات إعادة تفسير الوقائع القانونية والتاريخية بما يمسّ السيادة الوطنية العراقية.
وفي الوقت الذي أودعت فيه الحكومة العراقية خرائط ترسيم الحدود رسميًا لدى الأمم المتحدة تثبيتًا لحقوقها وفق الأطر القانونية الدولية، تبرز مواقف وتحركات إقليمية تثير علامات استفهام حول النوايا الحقيقية لبعض الأطراف.
إن أي مساس بملف الحدود – سواء البرية أو البحرية – لا يمكن قراءته بمعزل عن المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالمنافذ البحرية، والممرات الملاحية، والموارد الطبيعية. وهنا تكمن خطورة ما يُتداول عن أدوار تضغط باتجاه تكريس أمر واقع جديد على حساب الحقوق العراقية، سواء من قبل الأردن أو بعض دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، عبر اصطفافات سياسية أو رسائل دبلوماسية غير منسجمة مع مبدأ احترام سيادة الدول.
العراق الذي خاض تجارب مريرة مع الحروب والعقوبات والتدخلات، لم يعد بلدًا هشًا يمكن تجاوز إرادته أو فرض الإملاءات عليه. فترسيم الحدود ليس شأنًا فنيًا بحتًا، بل هو قضية سيادة وكرامة وطنية وحق تاريخي لا يقبل القضم أو التجزئة تحت أي ذريعة كانت. وأي محاولة للالتفاف على الاتفاقات الدولية أو استثمار ظروف إقليمية معقدة لفرض وقائع جديدة، إنما تمثل لعبًا بالنار يهدد الاستقرار الإقليمي برمته.
إن الموقف العراقي الرسمي بإيداع الخرائط والوثائق لدى الأمم المتحدة خطوة قانونية بالغة الأهمية، تعكس إدراكًا عميقًا لضرورة تحصين الحق الوطني بالشرعية الدولية.
غير أن هذه الخطوة يجب أن تُستكمل بحراك دبلوماسي صارم، يضع خطوطًا حمراء واضحة أمام أي أطماع توسعية،
ويؤكد أن حماية المنافذ البحرية والقنوات الملاحية العراقية مسؤولية سيادية غير قابلة للمساومة.
العراق لم يكن يومًا لقمة سائغة، ولن يكون. قوته ليست في خطابه الانفعالي، بل في تمسكه بالقانون الدولي، وفي وحدة موقفه الداخلي، وفي وضوح رسالته إلى الجوار:
العلاقات تُبنى على الاحترام المتبادل، لا على استغلال اللحظات السياسية أو محاولة إعادة رسم الخرائط.
ومن مصلحة الجميع أن تُحسم ملفات الحدود بروح القانون والعدالة، لا بمنطق فرض الإرادة.
فاستقرار المنطقة يبدأ من احترام سيادة الدول، وأي رهان على إضعاف العراق أو تقليص مجاله الحيوي هو رهان خاسر، لأن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن أرضها، لا يمكن أن تتنازل عن حقوقها تحت أي ظرف.