
اختار الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتريش أن يتحدث في خطبة الوداع التي ألقاها قبل أيام قليلة من اليوم في افتتاح مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، عن التحولات التي تعرفها قضية حقوق الإنسان في العالم، حيث “ حذر من أن حقوق الإنسان تتعرض لهجوم شامل في جميع أنحاء العالم “، و“أن سلطة القوة باتت تطغى على سيادة القانون”. وأضاف المسؤول الأممي الأول الذي قد لا يعود في السنة المقبلة لترديد نفس الكلام مرة أخرى، بسبب نهاية ولايته في متم السنة الجارية “أن العالم يعيش اليوم واقعا تبرر فيه المعاناة الجماعية ويستخدم فيه البشر كورقة مساومة ويعامل القانون الدولي كعائق“.
أن يقول مثل هذا الكلام مدافع على حقوق الإنسان في نقطة ما من جغرافية العالم، أو أن يردده مناضل حقوقي يترافع من أجل احترام حقوق الإنسان في مكان ما من الكرة الأرضية، أو يخط هذا التعبير في لافتة كشعار، سيكون كل ذلك منطقيا ومفهوما، لكن أن يصدر هذا الكلام من فاه أمين عام للأمم المتحدة الذي يرأس مجلس حقوق الإنسان باعتباره تابعا لمنظمة الأمم المتحدة، فإن ذلك يعني ما يعنيه من حقائق لم تعد خافية على أكثر العقول بساطة في التفكير.
كلام يعني في كنهه أن مؤسسة الأمانة العامة لأكبر وأقوى منتظم أممي أضحت عاجزةً على مواجهة الأخطار الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه شعوب العالم، وأنها لم تكن، ولا عادت قادرة على حماية أمن وسلامة وحياة البشر في مختلف مناطق العالم، وأنها لم يعد لها دور في تسوية النزاعات العالمية، وتخلت عن هذه المهمة لفائدة قوة عالمية ترتب الأوضاع بالصيغة التي تقدرها مناسبة وملائمة.
كلام يعني في شكله وحقيقته أن مؤسسة الأمانة العامة للأمم المتحدة أضحت مجرد شاهد عيان على ما يحدث، يقدم شهادته الطوعية بهدف إبراء الذمة والتخلص من عبء المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة عن الوقائع والأحداث التي عاينها هذا الشاهد الدولي الجديد. وعلى هذا المستوى يصعب على أكبر النقاد والمحللين مهارة وقدرة أن ينتقد الأمين العام للأمم المتحدة الذي يشهد له التاريخ أنه لم يكتم شهادة الحق في أكثر النزاعات العالمية تعقيدا وأقواها عنفا و دموية، و إن تطلب منه الأمر في بعض الحالات الانتقال لآلاف الكيلومترات إلى غاية المعابر قريبا جدا من أماكن اقتراف أبشع جرائم الإبادة و التطهير في تاريخ البشرية الحديث ليجهر بالشهادة على منع المساعدات الإنسانية من العبور إلى محتاجيها ، ولم يجد من بديل للتعبير عن العجز في أن تقوم منظمة الأمم المتحدة بأدوارها كاملة فيما تعرض، ولا يزال يتعرض له العالم، غير رفع اليد اليمنى لأداء القسم للإدلاء بشهادات الحق التي لم تتجاوز حدود الصفحات التي خطت تعابيرها فوقها، حيث ما فتئت وتيرة التجاوزات والنزاعات والحروب واقتراف جميع أنواع الجرائم وأشبعها فظاعة تتوقف ولا حتى تنخفض سرعتها.
وهكذا يمكن القول بكل يقينية إن التطورات على هذا المستوى تتطلب وتستوجب إدخال تعديلات على ميثاق الأمم المتحدة قصد ملاءمته مع الأوضاع المستجدة في نظام عالمي أحادي جديد، يحدد مساطر الإدلاء بالشهادة فيما يعيشه العالم من أحداث وتطورات خطيرة.