
تعد الفنانة القديرة عواطف السلمان التي وُلدت في البصرة من الفنانات المتميزات من جيل السبعينيات.. أولى خطواتها الفنية على ضفاف شط العرب في مدينة البصرة الفيحاء لتشد الرحال بعدها الى بغداد، حيث واصلت مسيرتها الفنية متحدية الكثير من الصعاب ومكرسة حضورها في العديد من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية المتميزة.. البصرة خزانة الثقافة ومنبع العلم والادب والفن، لم تكن بعيدة عما يدور في مسارح الغرب والعرب، فتعلمت هذه المدينة الساحلية من دون معلم، وأعطت بسخاء علمًا ومعرفةً...
الفنانة (عواطف السلمان) دخلت عالم الفن عام 1974 في مدينة البصرة من خلال عمل مسرحي بعنوان (السور)، ومسرحية (النهضة) من اخراج الفنان (عباس الحربي) والتي أبدت فيها مقدرة مدهشة من خلال أدائها المسرحي. كما شاركت الفنانة البصرية في خمسة أفلام سينمائية من ابرزها فيلم (100%) من اخراج خيرية منصور، وفيلم (زمن الحب) من اخراج (كارلو هارتيون) وفيلم (غير صالح) من اخراج (عدي رشيد)..
أمسكت الفنانة الرائدة بقوة أن تكون سلطانة الشاشة العراقية بلا منازع وحضورها في الساحة الفنية المتميز في السينما والمسرح والتلفزيون وهي الضيفة الدائمة في بيوتات العراقيين، هي ابنة البصرة الفيحاء التي انطلقت منها نحو النجومية لتقدم أجمل وأروع الأعمال العراقية على مدى مسيرتها الفنية الزاخرة بعطاء لا ينقطع وهي التي كرست حياتها لأن تكون حاضرة بمجالات عدة من خلال نشاطاتها المتعددة الفنية والثقافية، وما أن يذكر اسمها في أي محفل عراقي يكون هنالك جمهور ينتظرها بشغف لكونها تعد ثروة وطنية تتباهى بها المؤسسات الفنية والثقافية باستضافتها.
الفنانة والصديقة عواطف السلمان التي رافقت معظم اعمالها المسرحية بيت البصرة وبغداد هي ابنة أجمل مدن العراق مع محبتي لكل مدننا الجميلة والبصرة التي قدمت الكثير من مبدعي العراق بكل المجالات الرياضية والفنية والأدبية والثقافية والسياسية، قادتها الصدفة أن تكون ممثلة رغم معارضة الأهل لكون العوائل البصرية هي الأكثر تحفظا لاسيما على بناتهم، وهذا ناتج من الحرص والحياة الاجتماعية التي كانت تسود المناطق حينها.
ترعرعت عواطف في بداياتها مع العديد من الأعمال الفنية التي كانت تسود الساحة حتى بات تشكيل العوائل البصرية لفرق فنية مسرحية عديدة وناشطة بفترة الستينيات التي كانت أعواما تعج وتزدهر بالفن البصري وتخرج الكثير من تلك النشاطات التي كانت تقام على مدار العام وتكفل أهل الشأن بمستلزمات الأداة والأزياء وجوانب العمل.
كان المسرح احد اهتمامات البصريين ولم يكن يمر عليهم يوم إلا ويوجد عرض مسرحي في بيت او في خربة او نادٍ او تجمع، وكانت البصرة فاتحة ذراعيها للقادمين من الخارج ليقدموا نتاجاتهم ويحتفلون بهم، حيث قدمت العديد من الفرق المسرحية الزائرة العراقية، والعربية ، والأجنبية، العديد من العروض المسرحية، وقد كان الجمهور متفاعلا معها ، كما هم المعنيون بالمسرح، والذين استفادوا من وجود هذه الفرق ومن الاعمال التي قدموها ، والمواضيع التي تناولتها مسرحياتهم ، والأساليب والإخراج التي كانوا يتبعها مخرجو هذه الاعمال.
أما الفرق البصرية فقد قدمت بداية عام 1929 جماعة (شباب البصرة) مسرحية (عبد الحميد والدستور) وقد أخرجها عطا أمين.
عام 1937 قدمت فرقة (الشباب) التمثيلية باكورة أعمالها وهي مسرحية (على ضفاف الامازون) إخراج عبد الوهاب محمد ناجي.
يذكر ان فرقة (الشباب) التمثيلية التي تأسست عام 1937 قدمت من تاريخ تأسيسها لغاية 1940 مسرحية (مصرع أبو مسلم الخراساني ، ودموع بائسة ، وضحية الشرف ، وعلى ضفاف الأمازون)، وهي من اخراج رئيس الفرقة الفنان عبد الوهاب محمد ناجي. كما ان الفرقة تضم من بين أعضائها الفنانين عبد العزيز السامرائي، وعبد القادر محمد ناجي، وكاظم حاج حمدان ، وفريد رزوق. كما قدمت جمعية (تآلف الأخوة) في البصرة عام 1938 ، ومسرحيتي (الوفاء) و (جزاء الإخلاص).
وبداية عام 1939 قدمت فرقة (المهلب) مسرحية (مثلنا الأعلى) تأليف عبد المجيد عباس. وفي عام 1959 قدمت فرقة جمعية المعلمين مسرحيتين هما (نموت ولا نستسلم) اخراج مانع السعودي وعبد الأمير قنبر ، ومسرحية ( اكلة لحوم البشر) تأليف سعدون العبيدي وإخراج كامل العزاوي ومانع السعودي ، عرضت المسرحيتان على مسرح قاعة دار المعلمين في البصرة.
وفي تشرين الأول عام 1960 قدم عبد الجبار داود العطية مسرحية (عند الفجر). علما ان فرقة جمعية المعلمين قد تشكلت عام 1956 من المدرسين والمعلمين والطلبة في دار المعلمين الابتدائية في العشار آنذاك ، تحت اشراف جمعية المعلمين، ومن أعضائها (احمد الخطيب وزكي الجابر وخليل إبراهيم وسميع رشود البادي ونجيب منصور)، ومن الطلبة (جبار البصري وجبار داود العطية وعبد الاله عبد القادر)، وقدمت هذه الفرقة مسرحية (شمعدانات الاسقف) وهي مقتبسة من رواية (البؤساء) لفكتور هيكو، اخرجها يوسف جرجيس حمد، وقدمت هذه المسرحية من تلفزيون بغداد في نفس العام. اما فرقة المسرح الطلابي التابعة للنادي الطلابي آنذاك، فقد قدمت مسرحية ( فلوس الدوه)، ومسرحية (تباريح بائس) ، ومسرحية ( الخبز المسموم ) ، ومسرحية (المصور الفنان) و( انتصار السلام)، وهذه المسرحيات من اخراج قاسم حول، باستثناء مسرحية ( المصور الفنان ) فهي من اخراج كامل سالم راضي.
أما مسرحية (لحظات حاسمة) فهي من تأليف وإخراج قاسم حول، وقد عرضت هذه المسرحية في تلفزيون بغداد بتاريخ 19/9/1959، حيث قدمت باسم فرقة نادي الجنوب الرياضي في البصرة، وكان من بين أعضاء الفرقة (قاسم حول، علي فوزي ، اسعد عبد الحسين ، صبري سالم ، ضياء ناجي ، كامل سالم الراضي ، فاضل مطر ، عبد السلام القيسي ).
في عام 1964 قدم الأستاذ عبد الغفور النعمة مسرحية ( عدو النور) مع الفرقة المسرحية التي شكلها في متوسطة البصرة (مدرسة فيصل الثاني – آنذاك-) ولعب فيها دور الملك ، بينما مثل دور الكاهن الطالب عبد الكريم عبد الحميد ، واعيد عرض المسرحية في معهد المعلمين عام 1964 ، وشارك في تمثيلها كل من الفنانين المرحومين اسعد عبد الحسين ، وفيصل حسن ، وقد سجلت لتلفزيون بغداد في حينها.
ومنذ تأسيسها في الستينيات، انتجت الفرقة المسرحية التابعة لمديرية تربية البصرة اعمالا مسرحية عديده، وتعد هذه الفرقة هي اول فرقة مسرحية تابعة لإحدى الدوائر التابعة للدولة ، وقد نالت الكثير من الرعاية والدعم، كما انها امتازت بأعضائها الذين درسوا علوم المسرح في معهد الفنون الجميلة في بغداد.
لذلك امتازت أعمالهم عن اقرانهم بعلمية الطرح، وطرق الإخراج، حيث كان المخرجون يتمتعون برؤى فنية وتقنية وجمالية عالية، وكان من بين أعضائها المميزين الفنان محمد وهيب الذي اخرج اغلب اعمال الفرقة حيث اخرج للفرقة مسرحية ( اوديب ملكا ) لسوفوكلس وقد عرضت عام 1965 ، ومسرحية ( القلب الارعن ) تأليف جون دير قدمت عام 1965، و(طبيب بالقوة)، اعداد عبد الخالق جواد ، ويا طالع الشجرة 1969 ، لتوفيق الحكيم ، ومسرحية (هاملت) لشكسبير قدمت في مستهل أيلول عام 1965، وفي بداية نيسان 1965 قدم مسرحية (عطيل) لشكسبير ، و(واغنية التم) لتشيكوف .
جماعة البصرة للمسرح الحديث التي تأسست عام 1968 ، تحولت فيما بعد الى فرقة المسرح الفني الحديث ، والتي كانت تمتاز بنشاطها المسرحي الكبير ، والذي يعود الى أعضاء الفرقة ونشاطهم ، حيث اخرج الفنان قصي البصري المسرحيات ( أيام زمان) اعداد عبد الخالق جوده، ومسرحية (بنادق في القنيطرة) تأليف ياسين النصير ، ومسرحية (المهزلة الأرضية) تأليف يوسف ادريس.
أما مسرحية (المفتاح) ليوسف العاني فهي من اخراج عبداللطيف صالح ، ومسرحية (المدينة المفقودة) تأليف قاسم حول وإخراج عبد الأمير السلمي، والتي عرضت عام 1968 .
أما مسرحية (العروسة بهيه) فهي من اعداد عبد الاله عبد القادر وإخراج قصي البصري ، ثم قدم الفنان قصي البصري بعد ذلك اوبريت (بيادر خير) عام 1969 من تأليف الشاعر علي العضب وياسين النصير .
كانت هنالك حركة فنون واسعة مصحوبة بحب كبير من الهواة المتولعين بهذا الجانب حتى حظيت مدينة البصرة عام 1978 بأن يكون لها فرقة البصرة للتمثيل تابعة للفرقة الوطنية بالعاصمة بغداد (سابقا تسمى الفرقة القومية) وهذا ناتج عن زخم وعدد الفنانين الموجودين والمواهب الكثيرة التي غزت الساحة الفنية جنوب العراق لتأتي اللحظة بأن تكون الفنانة عواطف السلمان عضوة في تلك الفرقة 1974من خلال عمل مسرحي بعنوان (السور)، ومسرحية (النهضة) من إخراج الفنان (عباس الحربي) والتي أبدت فيها مقدرة مدهشة من خلال ادائهاالمسرحي.
اشتركت بأول فيلم في البصرة وكان بعنوان ( المحموم وموسم الحصاد )، وكان من بطولتها ومعها الفنان الراحل طالب جبار.
واشتركت في أعمال مسرحية من الادب العالمي، واعمال عربية وعراقية، شاركت في مهرجان فرق التربية، وحصلت على الجائزة الاولى عن عمل «الملكة والمتمردون” لغوته، وكان بالفصحى.
بعدها إلى بغداد، حيث واصلت مسيرتها الفنية متحدية الكثير من الصعاب من جانب اهلها ومكرسة حضورها في العديد من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية منها بطولة فيلم تلفزيوني ( ان نكدح مرتين ) في عام 1979 ، وشارك العراق به ضمن مهرجان وبرامج فلسطين الذي كان يقام في بغداد، وانجز خلال 25 يوما، ونال هذا الفيلم الوسام الذهبي حيث اعجبت بأدائها الممثلة العالمية فانيسيا، ففي احدى المرات وبعد غياب إحدى الممثلات طلب منها أن تكون البديلة لها وكان اختيارها بدون علم أهلها ومنها دخلت التمارين الخاصة بالعمل حتى جاء يوم عرض المسرحية، ويومها كان هنالك شيء من الخوف والتردد، ولكن أستاذها عبد إله عبد القادر الذي يعمل حالياً مديرا في مؤسسة العويس الثقافية في دولة الامارات شجعها وكانت كلماته هي من أوصلتها على ما هي عليه، وحدث هذا عام 1974 وهنا جاءت اللحظة بيوم العرض ونجحت في هذا الامتحان الأول ووفقت به وأعجب بها كل من شاهد العرض.
لم يكن هنالك اعلام ناشط وفعال، لذلك لم يعرف أهلها بقضية أنها أصبحت ممثلة، ما معناه كان كل شيء خافيا عنهم ومع مرور الوقت زار البصرة وفد كبير جدا يسألون عنها بالقول «من هي الموهبة الجديدة» التي استطاعت أن تجمع بين كل مواصفات الفنانة التي لها مستقبل وشاءت القدر أن يصل الخبر لأهلها وحدث ما حدث من مقاطعة الأهل وزعلهم منها، ولكن الحمد الله كانت مرفوعة الراس وعملت خيرا لأهلها ولمدينتها الغالية.
كان لها أول ظهور سينمائي مع الفنان الراحل طالب جبار (المحموم وموسم الحصاد) في مدينة البصرة وتوالت الأعمال الدرامية والمسرحية، وكان من اول أعمالها المسرحية التي تعتز بها المأخوذة من الأدب العالمي وأهمها (الملكة والمتمردون) واستمرت المسيرة حتى وقتنا الحاضر، وتعتز بالعمل الكبير (أمطار النار) للمخرج عزام صالح ومسلسل (فدعه) للمخرج هاشم أبو عراق، وطريق (أنعيمه) للمخرج حسن الماجدي.
بعد أن ذاعت شهرتها ونجوميتها قامت ببطولة فيلم سينمائي تلفزيوني لصالح مهرجان فلسطين عام 1979 ، وبعد كل الجهود المبذولة لم يكن هنالك من يقدر تلك الجهود حيث أقيم المهرجان السينمائي ببغداد، ولكن مع شديد الأسف بعد أن أعلن أن الفيلم العراقي ( لن نكدح مرتين ) وهو من بطولتها المطلقة يفوز بالوسام الذهبي وسط مشاركة دولية عالمية وعندما استفسرت الممثلة العالمية (فانيسيا ردغريف) وهي تقول من هي الممثلة عواطف السلمان، كانت الأجابة لها أنها حاليا خارج العراق فيما هي كانت في البصرة، لذلك بقيت مستغربة بأن شهرة الفنان العراقي مرهونة عند البعض ممن تسمح لهم الفرصة بقيادة فنون العراق وهم من خارج الاختصاص حتما.
حضورها في مسرحة مسرحية (النهضة) التي شكلت عنادا وموقفا مناهضا من السلطة الدكتاتورية في ذلك الوقت، كان دورها مهما وهي تنقل النص بأسلوب ولغة جنوبية بحتة وكانت تعرف هنالك الكثير من دفع الثمن أن تكون حياته معرضة للهلاك أمام السلطة ومنهم من بقي وراء القضبان قصاصا له، وكان النص في المسرحية التي عرضت عام 1997، وكنت من بين حضورها وباركت للمؤلف المخرج الراحل عباس الحربي والممثلة القديرة عواطف على شجاعتهم وثقافتهم، حيث أزعجت الحكومة بقولها: جعنه وما لكينه طحين بالبيت ..اخاف يمر وكت ما نلكه البيوت... ومدى النهضة اللي ما نهضت بأهلها . وأغاضتهم الجمل وتم إيقاف المسرحية، وعندما استدعيت الى مديرية الامن، وقال لها ضابط التحقيق الذي شتمها في البدء عن معنى هذا الكلام، فقالت: انني اخاطب من سبب الحصار على بلدي... كانت تريد التخلص منه وتم استدعاؤها مرة أخرى لدائرة الأمن العامة وتم التحقيق معها بعد أن شتمها الضابط (التافه)، وكان جوابها أنا أقصد. من كان سببا في الحصار على بلدي وهنا نفذت بجلدي بعد أن تخلصت منه.
وتسرد الفنانة عواطف عن مرحلة ما بعد التغيير فتقول : أود أن أوضح على أن قناة العراقية هي من انتشلت الدراما العراقية ووضعتها بمكان يليق بها، وأنعشت الفنان العراقي من خلال الأعمال التي أنتجتها وهذا بالتأكيد عامل مهم جدا لديمومة العمل الفني .
ومن جانب المسرح لابد أن يكون هنالك مختصين بإنقاذه من التدهور مع العلم ان مسرحنا يزهو بفنانينا وكتابنا ومخرجينا، ولكن لابد من رؤية موضوعية لوضعه بالمكان الصحيح لنعود الى عهدنا الذهبي اللائق.. وحديثي عن السينما جاءت الفرصة الثمينة، ولكن مع شديد الأسف جميع من أنتج وأخرج وساهم بأفلام مهرجان بغداد عاصمة لان السينما العراقية المعاصرة هي وجه من اوجه البلد وبالتالي وجه السينما العراقي تأثر كثيرا ، فكانت هناك سينما عراقية لو استمرت لكانت الظروف مختلفة، وتم القضاء عليها نهائيا ولكن هناك تجارب وخطى حثيثة تحتاج الى دعم ومساندة لتقف السينما العراقية شامخة مرة ثانية.
أما عن تجربتها فتقول : سبق لي أن عملت وبالاشتراك مع الشاب الرائع (علي الدلفي) عملا مشتركا مهدى لنصرة القوات المسلحة والحشد الشعبي بعنوان ( ما يعبرون) للشاعر سمير صبيح وهذه هي أنشودة تتغني بها الأم بأن يكون ولدها عند حسن ظنها بمهمة قتال قوى الإرهاب، وأن لا يعود بدون النصر، لذلك تكون رسالتي لشبابنا أقول لهم لا تغادروا العراق وتتركوه للطامعين ونحن أمانة في أعناقكم .. لا تتركوا عدوكم يتشمت بنا يا أولادي، ولشبابنا أقول: لا تهاجروا دافعوا عن وطنكم العراق فبدونه لا تحلو الحياة والنصر مرهون بكم.