
حين يكتب المفكر واللغوي الأميركي نعوم تشومسكي عن السياسة، فإنه لا يكتفي بوصف الأحداث أو تحليل الشخصيات، بل يسعى دائماً إلى الكشف عن البنية العميقة التي تصنع تلك الأحداث. وهذا ما يتجلى بوضوح في كتابه « الفوهرر الجديد: ترامب وسياساته الداخلية والخارجية» ، الذي يتناول فيه ظاهرة صعود دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، محاولاً تفسيرها في ضوء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة.
يرى تشومسكي أن ظاهرة ترامب لا يمكن فهمها بمعزل عن الدور المتعاظم لوسائل الإعلام في تشكيل الوعي السياسي وصناعة الرأي العام. فالإعلام، في نظره، لم يعد مجرد وسيط ينقل الخبر، بل أصبح لاعباً أساسياً في صياغة المشهد السياسي ذاته. وقد ساهمت التغطية الإعلامية المكثفة لشخصية ترامب، قبل وأثناء حملته الانتخابية، في تحويله إلى ظاهرة إعلامية قبل أن يصبح ظاهرة سياسية.
ويشير تشومسكي إلى أن الإعلام الأميركي، بدلاً من أن يكتفي بتحليل خطاب ترامب ونقده بعمق، انجذب إلى طبيعته الاستعراضية والجدلية، فصار ينقل تصريحاته المثيرة للجدل على نطاق واسع. وهكذا تحولت السياسة، في كثير من الأحيان، إلى ما يشبه العرض التلفزيوني الدائم، حيث تتقدم الإثارة على التحليل، وتصبح العناوين الصادمة أكثر جذباً من النقاش العقلاني المتوازن. وفي هذا السياق، يشير تشومسكي إلى أن تركيز الإعلام على شخصية ترامب وخطابه الصادم منح حملته الانتخابية زخماً مجانياً هائلاً، إذ تحولت تصريحاته المثيرة إلى مادة يومية للبرامج الإخبارية والحوارات السياسية. وبدلاً من أن يضعف ذلك حضوره السياسي، ساهم في ترسيخ صورته لدى قطاعات واسعة من الجمهور بوصفه شخصية تتحدى النخب السياسية والإعلامية التقليدية.كما يناقش الكتاب العلاقة المعقدة بين الإعلام والرأي العام في العصر الرقمي، حيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها هي المؤثرة في تشكيل الاتجاهات السياسية، بل دخلت منصات التواصل الاجتماعي بقوة في هذه المعادلة. وقد أتقن ترامب استخدام هذه المنصات، لتحويل خطابه السياسي إلى رسائل قصيرة ومباشرة تصل إلى ملايين المتابعين دون المرور عبر القنوات الإعلامية التقليدية. لكن تشومسكي لا يحمّل الإعلام وحده مسؤولية هذه الظاهرة، بل يرى أن المشكلة أعمق من ذلك. فهناك تحولات اقتصادية واجتماعية أدت إلى تآكل الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من المجتمع أكثر استعداداً لتصديق الخطاب الشعبوي والاستجابة له.
في النهاية، يقدم كتاب « الفوهرر الجديد» الذي ترجمه محمد صكبان سعدون، وصدر عن دار قناديل البغدادية، قراءة نقدية لمرحلة سياسية مضطربة، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمستقبل الديمقراطية في عصر الإعلام المتسارع. فحين تتحول السياسة إلى مشهد إعلامي دائم، وتصبح الإثارة بديلاً عن النقاش العقلاني، فإن الرأي العام نفسه يصبح أكثر هشاشة وقابلية للتوجيه. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب، ليس بوصفه تحليلاً لشخصية سياسية بعينها، بل باعتباره محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين السلطة والإعلام والرأي العام في عالم تتزايد فيه قدرة وسائل الاتصال على صناعة الأحداث، لا مجرد نقلها .