رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
كريستي بنبرة هادئة


المشاهدات 1128
تاريخ الإضافة 2026/03/08 - 9:37 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 11:46 PM

هذا ليس كتابَ مذكّراتٍ بالمعنى التقليدي، ولا هو استراحة كاتبةٍ شهيرة من عالم الجريمة والألغاز، بل نصٌّ حميميّ يتقدّم بخفّةٍ نحو سؤالٍ وجوديّ كبير، كأنه همسٌ موجّه إلى الأرض نفسها: كيف تعيشين؟
في تعال قل لي كيف تعيش تخلع أغاثا كريستي معطف الروائية البوليسية، وتظهر امرأةً تسافر لا لتطارد لغزًا، بل لتصغي. تصغي للأمكنة، للتراب، للآثار، وللزمن حين يتكاثف في الحجارة. الشرق هنا ليس خلفية exotic ولا مسرحًا للغرابة، بل فضاء خبرة حيّة، يُعاش ببطء، ويُحَبّ بلا ادّعاء.
من سورية إلى العراق، ومن أور إلى نينوى، ومن بيروت إلى دمشق وتدمر وحلب ودير الزور، نرافق كريستي لا بوصفها سائحة، بل شاهدةً على التقاء الإنسان بالماضي الذي لم يمت. لقاؤها بعالم الآثار ماكس مالوان ليس حدثًا عاطفيًا فحسب، بل نقطة انعطاف معرفية: فالحب هنا يمرّ عبر الحفر في الأرض، وعبر مساءلة الزمن، وعبر مشاركة الصبر اليومي للحفريات، حيث لا شيء يُمنح دفعة واحدة.
شدّة هذا الكتاب لا تكمن في الأحداث، بل في نبرته. لغة هادئة، دافئة، تخلو من التكلّف، لكنها مشبعة بدهشة طفولية أمام العالم. حين تقف أغاثا أمام تلّ براك، وتسأله: تعال قل لي كيف تعيش؟ فهي لا تخاطب تلًّا بعينه، بل تخاطب الحضارة، الإنسان الأول، وبدايات السؤال نفسه.
 القصيدة التي تكتبها جوابًا ليست ترفًا أدبيًا، بل محاولة لإنقاذ لحظة من الذوبان في النسيان.
في هذه الصفحات نكتشف شرقًا تحبه أغاثا لا لأنه غريب، بل لأنه صادق؛ متعب، مليء بالتناقض، لكنه حيّ. تقول عن العراق: «كيف أحببت كثيرًا هذا الجزء من العالم»، وكأن الحب هنا معرفة من نوع آخر، معرفة لا تُقاس بالمفاهيم بل بالمعايشة.
حتى رواياتها المستوحاة من تلك التجربة – جريمة بين النهرين والذين وصلوا بغداد – تبدو كامتداد تخييلي لذاكرة شخصية، حيث يتحوّل المكان إلى شخصية، والتاريخ إلى شريك في السرد.
تعال قل لي كيف تعيش كتاب عن العيش لا عن السفر، عن الذاكرة لا عن الاستكشاف، وعن الإنسان حين يتواضع أمام الزمن. إنه يذكّرنا بأن الحضارات لا تُفهم من الكتب وحدها، بل من الوقوف الطويل أمام أطلالها، والإصغاء لما تقوله حين نصمت نحن.
كتابٌ خفيف في شكله، عميق في أثره، ويكاد يقول لنا، من دون وعظ: أحيانًا، لفهم الحياة، يكفي أن نسألها بهدوء… ثم ننتظر.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير