رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
شاكر حسن آل سعيد.. مشرط شرّح تاريخ الجمال في العراق


المشاهدات 1113
تاريخ الإضافة 2026/03/12 - 1:25 AM
آخر تحديث 2026/03/12 - 10:40 PM

لم يكن شاكر حسن آل سعيد مجرد رسام يمتلك مهارة المحاكاة، بل كان “مشروعا معرفيا” متكاملا. إن خلفيته العلمية بحصوله على بكالوريوس العلوم الاجتماعية عام 1948 من دار المعلمين العالية، مكنته من امتلاك أدوات تحليلية سوسيولوجية وفلسفية غابت عن الكثير من أقرانه.. هذا التكوين الأكاديمي، الممزوج بنهم القراءة في الأدب والفلكلور والدين، جعل من لوحته نصا بصريا محشوا بالدلالات الفكرية، ومن كتاباته النقدية مرجعا لا غنى عنه لفهم فلسفة الفن في المنطقة العربية.تظهر السيرة التاريخية لآل سعيد أنه نشأ في “عصر ذهبي” للتلاقح الفكري في بغداد. 
إن مزاملته لرموز الحداثة الشعرية مثل بدر شاكر السياب ولميعة عباس عمارة، وتأثره المباشر بالمعلم جواد سليم، خلق لديه وعياً بضرورة “عصرنة” التراث.كان آل سعيد يمثل الجسر الرابط بين الفنون البصرية والآداب، وكان بإمكانه أن يصبح روائيا كبيرا، وهذه الملاحظة نقدية بامتياز، إذ تعكس قدرته العالية على السرد وبناء المتخيل، لكنه اختار “التصوف البصري” وسيلة للبوح، محولاً السرد من الكلمة إلى اللوحة.
تتجلى عبقرية آل سعيد في قدرته على التنظير للممارسة الفنية. قائمة مؤلفاته الضخمة من “الخصائص الفنية لرسوم الواسطي” وصولا إلى “البعد الواحد”، تكشف عن مسار نقدي تصاعدي: المرحلة التراثية، البحث في جذور الهوية الجمالية (الواسطي، الخط العربي)، ومن ثم المرحلة الفلسفية: إطلاق جماعة “البعد الواحد” عام 1971، وهي محاولة جادة لربط الحرف العربي بالوجودية والصوفية، متجاوزاً الشكل الهندسي للحرف نحو “جوهر الحرية” في الفن، كما أسهم من خلال كتبه عن “جواد سليم” و”حافظ الدروبي”، في التوثيق التاريخي وصياغة ذاكرة تشكيلية مؤسساتية للفن العراقي، مما يجعله “مؤرخا للفن” بقدر ما هو فنان.
وسبق ون وصفته بأنه “المتصوف الذي صلى للجمال”. هذا الوصف ليس مجازيا فحسب، بل هو انعكاس لأسلوبه الفني الذي انتقل من التشخيص (في بداياته مع جماعة بغداد للفن الحديث) إلى التجريد التأملي وجدران المدن المتآكلة. لقد آمن بأن الفن فعل تعبدي واستبصار داخلي، وهو ما منحه تقديرا دوليا تجسد في جوائز رفيعة مثل جائزة مهرجان “كاني سورمير” بفرنسا، اعترافا بمنجزه الذي جمع بين المحلية (الجدار والحرف) والعالمية (التقنية والتنظير).
رحل شاكر حسن آل سعيد في عام 2004، تاركاً وراءه مكتبة نقدية وإرثاً فنيا أعاد تعريف علاقة الفنان العربي ببيئته وتاريخه. لم يكن مجرد ناقد أو فنان، بل كان “فيلسوفاً للرؤية”، استطاع تحويل اللوحة من مساحة لونية إلى فضاء للتأمل الوجودي.
وتعد “جماعة البعد الواحد”، التي أسسها عام 1971، واحدة من أعمق الحركات الفنية الفلسفية في تاريخ الفن العربي المعاصر. هي لم تكن مجرد مدرسة “للحروفيات” كما يُشاع تبسيطاً، بل كانت ثورة وجودية على مفهوم الفراغ والزمن في اللوحة.
في بيانه الشهير، لم ينظر آل سعيد إلى الحرف العربي كشكل زخرفي أو هندسي كما فعل جيل الحروفيين التقليديين، بل تعامل معه كـ”كيان كوني”.تجاوز الفنان الأبعاد التقليدية، حيث كان يرى أن البعدين (الطول والعرض) والبعد الثالث (العمق الوهمي) هي قيود مادية. “البعد الواحد” عنده هو “البعد الروحي” الذي يربط الفنان باللا نهائي. والحرف هنا ليس “كلمة” تُقرأ، بل هو “أثر” لوجود مطلق.
كما استحضر الزمن (النقطة والخط)، واستلهم من الفلسفة الصوفية (خاصة النفري والحلاج) فكرة أن الخط هو حركة النقطة في الزمن. اللوحة عنده أصبحت أشبه بـ”جدار” يحمل آثار الزمن، الخدوش، والذكريات، حيث تذوب الحدود بين الذات (الفنان) والموضوع (اللوحة).
قبل أن ينطلق في تجريده الصوفي، تفرغ لدراسة يحيى بن محمود الواسطي رسام مقامات الحريري في القرن الثالث عشر. دراسته لم تكن تاريخية جافة، بل كانت استنطاقا للحداثة الكامنة في التراث.
 اكتشف آل سعيد أن الواسطي لم يلهث وراء “المنظور الغربي” ذي البعد الثالث، بل اعتمد “التسطيح” الذي يمنح حرية أكبر للخيال. هذا التسطيح هو ما مهد لآل سعيد فكرة “البعد الواحد”. ولاحظ كيف ينسجم الخط العربي مع الرسم عند الواسطي دون تنافر. هذه “الوحدة العضوية” ألهمته لاحقا لدمج الكتابة في اللوحة الحديثة لا كعنصر مضاف، بل كجزء من نسيج العمل.
ورأى في رسوم الواسطي “روح الشخصية العراقية” التي تجمع بين الواقعية والسحر، وهو ما حاول استعادته في بداياته مع “جماعة بغداد للفن الحديث” قبل انغماسه الكامل في التصوف.


تابعنا على
تصميم وتطوير