
المخصصات المالية المرفقة لقانون الخدمة الجامعية والمخصصات الاخرى ذات الجنبة المالية التي تخص حملة الشهادات العليا في وزارة التعليم العالي وغيرها كانت محطة شد وجذب واعتصامات، السبب... ان المجلس الاقتصادي اصدر عدة قرارات لها مساس بكل شرائح المجتمع ومنهم حملة الشهادات العليا من خلال اعادة النظر بالمخصصات الخدمة الجامعية، وهي نقطة شروع لإلغائها او تقنينها.
الرفض او الامتعاض يرتبط بثلاثة اجزاء منفصلة متصلة:
اولا: المؤهلات العلمية العليا جزء من رقي البلدان وتحضر شعوبها.
ثانيا: التشريعات القانونية دوما تناظر رؤية... ان الكفاءات اداة بناء المستقبل.
ثالثا : التدريسي او التربوي او من يحمل مؤهلا علميا، فرد يستحق ان يحظى بمكانة اجتماعية ومالية ترتقي للمؤهل العلمي.
عندما يكون هناك تشريع قانوني يقتطع جزء من ارزاق شرائح من الموظفين، هنا يوجب التوقف لبحث حيثيات الامر والخلفية القانونية وتبعات الاثر القانوني للتشريع اقتصاديا واجتماعيا.
بداية أي تشريع فلسفة ونهاية الطريق تبعات يجب ان تتحملها الدولة والحكومة ويتحملها الموظف بمسؤولية وشعور وطني، وفق ما ذكرناه هناك حاجة ماسة لرؤية معمقة بسرد تاريخي.
البداية عند حقبة السبعينيات وفصل وزارة التربية عن التعليم العالي، لإعطاء فسحة لحملة الشهادات العليا بأخذ زمام المبادرة للتطوير العلمي بتخصصات جديدة ترفد تطور المجتمع والبلد.
انطلق قانون الخدمة الجامعية وعطايا الحكومة لحملة المؤهلات العلمية العليا ومنها سيارات المارسيدس موديل السبعينيات بمسمى سيارة الكفاءات وتخصيص عدد من قطع الاراضي والدور لهم، بالتزامن مع الحث لنيل الشهادات العليا بالداخل والخارج من خلال مشروع الابتعاث والزمالات والتبادل الثقافي بين الجامعات العربية والاجنبية بكل الدول.
الاسباب الموجبة كانت تعزيز التوجه نحو الدراسات العليا لوجود شح بحملة الشهادات العليا بالجامعات والكليات العراقية، هكذا استمر الامر بحقبة الثمانينيات، ثم حقبة التسعينيات بذات النهج.
بعد ٢٠٠٣ كان هناك شح بحملة الشهادات العليا نتيجة الاوضاع العامة، لكن وما ادراك ما، لكن بعد عام ٢٠٢٠ اختلف الامر ، فقد تحول الشح الى زيادة ثم الى افراط ثم افراط مدقع بحملة الشهادات العليا حيث اضيف تقريبا ٦٠ ألفاً لوزارة التعليم العالي وقرابة ٨٠ ألفاً لوزارة التربية وحدث ولا حرج لباقي الوزارات، اضافة الى ٢٥٠ ألف شهادة عليا تنتظر المعادلة وهناك ايضا ضعف هذا العدد انطلقوا لنيل الشهادات العليا بالخارج.
اسباب ما تقدم عديدة منها:
١.الاوضاع العامة تقطع اوصال البلاد والعباد بفسحة للتقديم للدراسات: بزمن كورونا.
٢.الدراسة عن بعد بديل عن الدراسة الحضورية،وهو ما شجع على الاقبال عليها.
٣.يُسر الدراسة خارج العراق وخصوصا للبلدان القريبة.
نتائج الافراط بحملة الشهادات:
١. ازدياد اعداد حملة الشهادات العليا الى اضعاف مضاعفة كما اوضحنا.
٢. الرصانة العلمية محل شك.
٣. اختلال سوق العمل وتنظيم القوى العاملة.
السؤال الاهم: لماذا لم يتقبل حملة الشهادات العليا الاستقطاعات المالية؟
الجواب
١.اختلال الموازين الاقتصادية والمالية للدولة نتيجة الاوضاع العامة الدولية وكذلك بلوغ عدد افراد النفقات الحاكمة للحكومة لـ ١٠ عشرة ملايين من الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية.
ترافق مع شبه انعدام للايرادات الداخلية في ظل انفاق مفرط للجهاز الحكومي.
٢.اختلال الميزان المالي للموظف والفرد والعائلة.
نظرا لما تقدم : تحول المؤهل العلمي ( الشهادات العليا ) من اداة للرقي الاجتماعي والمالي الى هم بسبب التبعات المالية.
الحلول الآنية والترقيعية لاتجدي نفعا، ونسيان الارتباطات الاجتماعية وتقنين مستوى الحياة والمعيشة ليكون الكفاف سمة حملة الشهادات العليا ومن شملهم قانون الخدمة الجامعية.
الحل الانجع مبدئيا في افق استراتيجي:
١.دمج وزارة التعليم العالي والتربية برؤية جديدة.
٢.سلم رواتب جديد: سلم رواتب مجزٍ وعادل بعلاوات وترفيعات مجزية مع تدارك فرق عمر الاحالة على التقاعد.
عند تطبيق ما تقدم: عندئذ نستطيع ان نحول الافراط بالشهادات الى وضع الاعتدال ثم بعد فترة نصل لحالة الفعالية او الاستثمار الامثل لحملة المؤهلات العلمية.
هذا السلم يضع مبلغ العلاوات والترفيعات برؤية جديدة حيث يضع الجميع امام معادلة بسيطة وهي: إن المؤهل مهم لكن لمن يجتهد بتناسق مع سنوات الخدمة.. والاهم الحفاظ على الرصانة العلمية وحاجة السوق وقوة العمل، بما يحقق عدالة ومساوة بلمسة بسيطة من الفروقات المالية، لأننا إذا لم نمضِ بهذا الطريق، فسنكون امام مشهد الافراط المدقع الذي سينتج بالمحصلة خارطة وتقسيما جديدا لقوة العمل، حيث تعميم صفة يقرأ ويكتب (سابقا) لحملة شهادة البكلوريوس بقوة وسوق العمل. أما الاعمال البسيطة فستكون من نصيب حملة الماجستير والمتوسطة لحملة الدكتوراه.
والوظاىف المرموقة والمهمة ستكون حصة اصحاب المال والجاه والسلطة والقرار.
ما ذكرناه آنفا نظرناه بحقبة الثمانينيات بقدوم العمالة المصرية الاكثر عددا وباقي الجنسيات الأخرى للعراق، وهو سبب اقتباس كلمات الدكتور
مهدي علي دويغر الكعبي: روح القانون بمواجهة جمود النص.
منذ أن وطئت قدماي أروقة القانون الإداري أدركتُ أن هذه المهنة لا تقوم على حفظ النصوص فحسب بل على استيعاب روح التشريع ومقاصده المستمدة من إرادة الأمة، فالقانون ليس حروفاً جامدة وإنما منظومة قيم تحكمها غاية العدالة وحسن انتظام المرافق العامة، وفي زمن تتكاثر فيه التأويلات ويعلو فيه اللغط تتأكد الحاجة إلى علماء راسخين يجتهدون في بيان الحقيقة وإيصالها بوضوح إلى صناع القرار.
ختاما: الخلفية الحقيقية للقطوعات عجز مالي سببه ... إنفاق ترليوني يصل لمستوى الانفاق غير المبرر مع فسحة فساد اداري ومالي كبيرة مع اختلال بسوق وقوة العمل بسبب عدم وضوح الرؤية بالاسباب والمعالجات الاقتصادية بغياب رؤية السوق المفتوح والقطاع الخاص، لان الواقع افرز قطاعا خاصا زبائنيا عشائريا حزبيا سلطويا يتجسد بشخوص فاحشي الثراء والسطوة.
كل ما ذكرناه آنفا واقع والقطوعات والكمارك والضريبة لن تحل المشكلة، لنصل قطع مخصصات شريحة او شراىح محددة من افراد الشعب ترتبط بمنهج عمل برؤية دولة بوشائج مجتمعية، عندها يمكن أن نردد أننا نصنع مستقبلا ماليا اقتصاديا تجاريا واضحا؛ لننظر للمستقبل جيدا.