رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة


المشاهدات 1041
تاريخ الإضافة 2026/03/23 - 9:20 PM
آخر تحديث 2026/03/23 - 10:43 PM

 ليس بوسعنا بناء تفسير علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا من دون العودة إلى تجربة دول الخلافة وأمثالها، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية للمسلم، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث العريق في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة، تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام ربما تتوارى في أزمنة لكنها لا تموت. 
تشكلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسة للسلطة فحسب، بل بما هي منبع للمتخيل الذي تشكل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاتها حول المشروعية السياسية وغيرها، وولد فيه وتجذر وعي الإنسان المسلم السياسي ولا وعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، وللسلطة، والحكومة، وشكل الدولة. يتحول الإنسان في دولة الخلافة وأمثالها إلى رعية خاضعة، لا إلى مواطن معترف بكرامته وحريته وحقوقه، ويفرض عليه السمع والطاعة المطلقة للخليفة مهما كانت أفعاله وقراراته. في هذا النمط من الحكم لا يُعامل الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، وإنما يستعمل أداةً للسلطة وتأبيدها. تنتقل الخلافة داخل العائلة الحاكمة منذ لحظة التأسيس الأولى، ويُمنح هذا الانتقال غطاءً دينيًا يوهم الناس أن شرعية الحكم مستمدة من الله، لا من إرادتهم الحرة أو اختيارهم الواعي. ويتشكل لاهوت سياسي للطاعة كآلية لاحتكار الحديث باسم الله، حيث يجري استدعاء السماء لتبرير القهر في الأرض، ويُوظف الدين لإسكات الضمير، وتعطيل السؤال، ومصادرة حق المواطن في المشاركة والمراقبة والمحاسبة. في هذا الواقع تتحول الطاعة من التزام أخلاقي نابع من القناعة إلى خضوع مفروض بالقوة والقداسة المصطنعة، ويُستعمل الدين ذريعة لإلغاء كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. الرؤية التي تنتصر لإنسانية الدين تقوم على الاعتراف بحق الإنسان في الاختيار، ومسؤوليته عن مصيره، ورفض أي سلطة تدعي تمثيل الله، وتنكر على البشر حقهم في أن يكونوا شركاء في تقرير شؤون حياتهم العامة في إطار مصالحهم ومصائرهم.  
الخلافة وأمثالها، في ضمير أكثر المسلمين تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيلون أنها تعبر عن هويتهم السياسية، وقد تكرست صورتها في المتخيل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة، عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة متآكلة، لكنه يظل رمزًا ما دامت تلقى خطبة الجمعة على المنابر بوصفه خليفة، والدعاء يرفع له، والنقود تسك باسمه، ذلك ما أسهم في تجذر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية للمسلم. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي بوصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية لا تزال تنتج تأثيرها عبر نظام رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم، تستمد قوتها وفاعليتها من صور رومانسية للخلافة، كما تشكلت في المتخيل الجمعي، فتعيد إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة، والهوية السياسية.
في دول الخلافة وأمثالها، كان بإمكان المسلم أن يتنقل من بلد إلى بلد بحرية، ويقيم في أقاليمها المختلفة، الممتدة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، ما دام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية هي عقيدته. هذا الانتماء الرمزي رسخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت في إطار دول الخلافة وأمثالها، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. هذه العوامل لا تزال تمارس ممانعة صلبة في تقبل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية الشعبية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث. 
الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيلة لدولة الخلافة وأمثالها ما زالت تشكل أرضية خصبة ذات تأثير فعال في التمهيد لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين اليوم. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمض عليه سوى قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يدخل المفهوم الحديث للوطن والمواطنة بوصفه مكونًا أساسيًا للهوية السياسية. معنى «الوطن» في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية، تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء لأرض وتاريخ وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة.
ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثل لهم شعورًا بالتماهي مع كل مسلم يقطن أرضها، وتغذي خيالهم بوحدة عقائدية ورمزية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظل المتخيَّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكونًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالات، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيَّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد. جعلها هذا المتخيَّل تمثل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر.  بعد انهيار آخر دولة خلافة، لم تتبدد صورتها، بل ظل ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حية في اللاشعور الجمعي، تتجدد حضورًا في الذاكرة، وتعيد إنتاج نفسها في وجدان لم يتحرر من قبضة الماضي، ولم يغادر الحنين إلى سلطة يتخيلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. ظل المتخيَّل الديني يعمل على مدى قرون على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها عنصرًا أساسيًا من مكونات هوية المسلم السياسية، فتشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم كلما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما فشل في إنجازه في الواقع. ما يزال عدد غير قليل من المسلمين إلى اليوم عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية، وهيمنتها على الذاكرة السياسية، ذلك ما جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس دولة الخلافة، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام تلك الدولة.
من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث، إذ لم تمض سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية حتى بادر حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بوصفها مشروعًا يطمح إلى استعادة مجد المسلمين السياسي عبر إعادة بعث دولة الخلافة. 
وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: 
(الإسلام يجعل الحكومة ركنًا من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية). لم أجد فقيهًا أو متكلمًا في تاريخ الإسلام قبل حسن البنا يقول إن «الحكومة ركن من أركان الإسلام»، أو إن الدولة ركن في الإسلام. 
أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب المتنوعة والفرق المختلفة.
 الماوردي «ت 450هـ» يرى أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا من أركانه. ويذهب الجويني «ت 478هـ» إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. 
لكن في العصر الحديث جعل أكثر من منظّر من منظري الإسلام السياسي الحكم من أركان الدين.
 في سياق أدبيات هذه الجماعة وشعاراتها وأهدافها تشكلت رؤية تمجد الماضي السياسي، وتدعو للعودة إلى نموذج الحكم الذي ساد قرونًا عديدة في دول الخلافة. 
 في فضاء هذا المتخيَّل السياسي توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كل منها على شاكلتها، بوصف دولة الخلافة رمزًا لوحدة المسلمين، ومصدرًا للهوية السياسية، وأفقًا لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. 
غير أن ما لم يدركه الوعي المؤدلج أن الخلافة، بوصفها مشروعًا سياسيًا تاريخيًا، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيَّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة إنتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة قائمة على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. 
حين يتحول الحنين للماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيَّل، لا حضور له خارج الذاكرة.


تابعنا على
تصميم وتطوير