
بين كتاب “مدافع آيات الله” للأستاذ محمد حسين هيكل “رحمه الله” الصادر عام 1981 ، وكتاب “حرب تلد أخرى” للأستاذ سعد البزاز “أطال الله في عمره” الصادر عام 1990 ، ليس فارقا قدره 9 سنوات بين الكتابين، بل 46 سنة للأول “كتاب هيكل” و 36 سنة للثاني “كتاب البزاز” حصلت خلالها متغيرات كثيرة طالت العالم أجمع, أبرزها سقوط جدار برلين عام 1989 ونهاية الإتحاد السوفياتي عام 1991 وما ترتب على ذلك من “نهايات” للتاريخ حسب فرنسيس فوكايام او”صِدام” للحضارات حسب صموئيل هنتنتغون، وما بدا إنه إنتصار للرأسمالية بعولمتها “المسطحة” مثلما روج لها توماس فريدمان في “العالم مسطح” الى ثورة الأنتريت وما نتج عنها وصولا الى الذكاء الإصطناعي الذي هو اليوم في ذروة الصراع بين الرأسمالية الأميركية والشيوعية الصينية “الرأسمالية المقننة”.
وفي ظل هذه المتواليات والسرديات لحروب الأمس واليوم، فإن الأستاذ هيكل أراد في “مدافع آيات الله” أن يضع مقاربة قوامها إستمرارية إيران على “الثورة” حتى بعد أن أسقطت ثورة آية الله الخميني إمبراطورية الشاه، وبنت دولة جديدة ذات عقيدة دينية وسياسية جديدة. الآن، وبعد 46 عاما من صدور “مدافع آيات الله”، نستحضر رؤية هيكل لإيران بوصفها ثورة مستمرة لكن ليس على الطريقة التروتسكية التي جسدها تروتسكي “الثوري العالمي الدائم، عبر كتابه “الثورة الدائمة”، بل عبر رؤية أخرى لا يزال “الحرس الثوري” الإيراني يحتفظ بشفراتها السرية. هذا فيما يتعلق بالمرحوم محمد حسنين هيكل. فماذا عن رؤية البزاز عبر كتابه الذي وضع له عنوانا لافتا وهو “حرب تلد أخرى”. صحيح إنه وضع له تعريفاً قد يفتح بعض مغاليقه وهو “التاريخ السري لحرب الخليج”، لكنه يبقى عنوانا إشكاليا يتعلق بحرب هي من وجهة نظره ولادة لحروب أخرى.
وقعت الحروب الأخرى بالفعل، ومنها، بل أبرزها حرب إسقاط النظام العراقي عام 2003 وحرب غزة بعد غزة السنوار عام 2023 وحرب الإثني عشر يوماً في العالم الماضي، والحرب المستمرة الآن. وكلا الحربين الأخيرتين هما بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. الحيز المتاح لي لا يسمح لمزيد من السرد مما يتطلب إختصارا، بل وإختزالا لابد منه حتى لو بقيت نهايات بعض المعاني والدلالات سائبة. هذه الحرب من وجهة نظري لن “تلد حرباً أخرى”. هذه حرب الجغرافية لا التاريخ. البارجات والصواريخ وحاملات الطائرات والبالستي وباتريوت ورونالد ريكان وجورج واشطن وجورج بوش وسواها من حاملات الطائرات لا الرؤساء الأميركان لعبت بالجغرافية “لعب الخضيري بشط”. وطبقا لأية قراءة أولية لما يمكن أن تنتهي اليه هذه الحرب، فإنها أثببت الحقائق التالية: أولا: أن إسرائيل باتت مكشوفة وهو ما لم يحصل منذ عام 1948. ثانيا: أن أميركا لم تعد مؤهلة لحماية احد، وهذا له أسبابه وعوامله التاريخية فهي منذ حرب فيتنام إلى اليوم لم تنتصر في حرب، أو على أقل تقدير لا تحسب حساب اليوم التالي، ولم تضع تعريفا محددا للسلام. ثالثا: مابعد هذه الحرب، وأياً كان مفهوم النصر او الهزيمة لأي طرف وبأي معيار حقيقي أو نسبي، فإن خريطة جديدة في الشرق الاوسط يتوجب على دول المنطقة ايران وجوارها الجغرافي العرب والأتراك أن يفكروا بالتعايش في ضوئها. فإذا كان التاريخ الذي يستحضره كل طرف فيهم متحرك سردا ومرويات، فإن الجغرافية ثابتة، المتحرك فيها هو كيفية إستغلال تضاريسها لا القفز فوق أقدارها بحارا وخلجانا وجزرا وصحارى وجبال.. عندي “حجي” بس بلغ سيل الحروف .. الزبى.