
الفنان المسرحي الرائد د. فائق الحكيم الذي ولد في بغداد ، وله إسهامات كبيرة إضافة للمسرح في السينما العراقية. كما قام بإخراج العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي حققت نجاحًا كبيرًا، وشكلت جزءًا من التراث الثقافي للعراق، لذلك ارتبط اسمه لدى العراقيين بذكريات الطفولة، وكان من أبرز أعماله الفنية برنامج الأطفال الشهير «افتح يا سمسم»، الذي أخرج عددًا من أجزائه ...
في مسيرة الحكيم أكثر من 30 عملًا فنيًا مخصصًا للأطفال بين برامج ومسلسلات، كانت تهدف لتثقيف الطفل العراقي والعربي، أبرزها «أطفالنا أكبادنا» الذي بُث على التلفزيون العراقي والكويتي. كما قدَّم الحكيم برامج تلفزيونية عدة، في مجالات التربية والتوعية والتثقيف للأطفال بالكويت والسعودية والمغرب في أواخر الثمانينيات.
الفنان الحكيم تخرج من ألمانيا تخصص دراما ويحمل شهادة الماجستير في الأدب الألماني عام 1968، وقد عاد إلى ألمانيا بداية عام 1970 لإتمام دراسته العليا فحصل على الدكتوراه نهاية عام 1971، وانتقل بعدها للعمل في الولايات المتحدة الامريكية كأستاذ للغة الألمانية في إحدى جامعات ولاية كاليفورنيا، لوس أنجلوس”.
وعاد فائق الحكيم للعراق عام 1975 وعمل أستاذا لتاريخ المسرح في كلية الفنون الجميلة (بغداد) ، قسم الفنون المسرحية، وإضافة إلى عمله الأكاديمي، نشر كتاب من جزأين، اسمه (تاريخ المسرح) ثم ألّف كتاب (ثمان مسرحيات للطفل) تم إخراج بعضاً منها كمسرحية
(الدمية المفقودة) و (بيت الحيوانات)، وهي مسرحية موجّهة للأطفال دون سن المدرسة والتي كانت بمثابة ورشة عمل للتعريف بمسرح الطفل وسبل التعامل معه، حيث تمت دعوة مخرج ألماني قام بإخراج المسرحية لطلبة قسم المسرح في الأكاديمية حيث كانت من بطولة الفنانة سناء التكمجي إحدى الطالبات المشاركات في تلك المسرحية، بشخصية (الضفدع). وأخرج فائق الحكيم مسرحية (القاعدة والاستثناء) للكاتب الألماني برتولد بريشت، ثم توالت أعماله المسرحية متزامنة مع عمله الأكاديمي فخراج مسرحية «الدمية المفقودة» و«بيت الحيوانات».
عام 1978 كلّفه المخرج فيصل الياسري، بدبلجة بعض الحوارات الخاصة بمسلسل الأطفال « أنيس وبدر « في الجزء الأول من (افتح يا سمسم) ثم قام بدبلجة مسلسل (حول العالم في80 يوما) بالعراق أيضا.
وجاء ذلك متزامنا مع افتتاح مؤسسة الانتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي. هذه الافلام التي لبست لبوس المسلسلات تنوعت مضامينها بين افلام المغامرات والقصص الاجتماعية التي تغازل مخيلة الطفل بين مؤلفة ومترجمة ومدبلجة، بجانب البرنامج التعليمي الخاص بالأطفال (افتح يا سمسم). مسلسل (عدنان ولينا) الذي يتناول سيرة بطله عدنان والتي اداها الفنان فلاح هاشم، كان من انجح هذه الاعمال التي عرضت في تلك الفترة ويمكن القول بان من اهم اسباب نجاح هذه البرامج وافلام الكارتون مشاركة المبدعين العراقيين في التأليف، والترجمة، والاخراج، والتمثيل.
ليتبعه بعد ذلك مجموعة من المسلسلات الكارتونية والتربوية والتنموية ومنها البرنامج المروري (قف) والواقع في تسعة وسبعين حلقة، وقد تم تصوير البرنامج في دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، ثم (الوطن في عيون الجميع) لصالح وزارة الداخلية الكويتية، ثم (المخدرات وتأثيرها على المجتمع) لصالح المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب في الرياض، ثم توالت العديد من الأعمال التربوية والتثقيفية والتنموية، (كأطفالنا أكبادنا) و (ترشيد استهلاك الطاقة) وبرامج لمنظمة اليونيسف في الكويت، وغيرها الكثير. كما عمل لمحطات ألمانية وإيطالية وفرنسية. أمّا ابنه سيف فهو المدير الفني لقناة بلادي العراقية.
غادر الفنان الدكتور فائق الحكيم العراق صيف عام 1980 واستقر في دولة الكويت، بعد أن تم استدعاؤه من قبل (مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي) وتكليفه بإدارة قسم الدوبلاج في المؤسسة، حيث أشرف على العديد من الأعمال، واسس شركة إنتاج تلفزيوني لإنتاج البرامج الوثائقية وتغطية بعض الأخبار المحلية، تم لاحقا الشروع بتنشيط قسم الدوبلاج، حيث كانت أول الأعمال (الرجل الحديدي) ليتبعه بعد ذلك مجموعة من المسلسلات الكارتونية والتربوية والتنموية ومنها البرنامج المروري (قف) والواقع في تسعة وسبعين حلقة، وقد تم تصوير البرنامج في دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، ثم (الوطن في عيون الجميع) لصالح وزارة الداخلية الكويتية، ثم (المخدرات وتأثيرها على المجتمع) لصالح المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب في الرياض”. كما وتم تكليفه بإدارة قسم الدوبلاج في المؤسسة، حيث أشرف على العديد من الأعمال. كما عمل لمحطات ألمانية وإيطالية.
وفي العام 1987 انتقل وعائلته إلى المملكة المغربية للعمل والعيش حيث أسّس شركة خاصة للإنتاج الفني، وقام بإنتاج أفلام وبرامج، كانت لصالح مؤسسات مغربية وعربية وإقليمية، منها أفلام للاسيسكو المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، أفلام وبرامج لليونيسيف، برامج توعية وتثقيف لوزارة الصحة المغربية، برامج عن الماء الصالح للشرب، لوزارة البيئة المغربية، وعمل برامج لصالح دول ومحطات تلفزيونية عربية، وتزوج من الفنانة سناء التكمجي ورُزق منها بولدين هُما سيف وعلا.
انتقل بعدها للعمل في الولايات المتحدة الأمريكية كأستاذ للغة الألمانية في إحدى جامعات المتحدة الأمريكية كأستاذ للغة الألمانية في إحدى جامعات ولاية كاليفورنيا في لوس أنجلوس.
من خلال كل ذلك تجد هذه السيرة والتنقل والغربة الاضطرارية للفنان العراقي نتيجة طبيعية بعد الاضطهاد والاقصاء والتعقب والسجون من نظام قاسٍ وضع في اجندته أساليب الضغط على كل من لا يقف معه، حيث يحمل أكثر هؤلاء الفنانين ومنهم فائق الحكيم في ذاكرتهم الشخصية كحقيبة يد جديدة دائمة اللمعة.. لا يملّون من حملها على أذرعهم باعتزاز وحرص أينما ذهبوا. تصبح هذه الطريقة ملائمة من أجل الاحتفاظ بهويتهم الشخصية بعد هزة فقدان الوطن الأمّ.
على ما يبدو، لا يختلف الفنانون العراقيون بكل اطيافهم وأديانهم عن غيرهم، ومع هذا التشابك في العواطف يصعب أن تكون وقفتنا قصيرة معهم. لذا سأكتفي بطرح ملامح عامة مختصرة حول ما جرى لفنانين في منطقتنا مطلع العصر الحديث.
الشيء الجدير بالذكر في هذا السياق، لم تكن غاية الفنانين العراقيين من السفر والهجرة اقتصادية، أو من أجل التجارة أو الربح المادي كما كان الأمر في حالة شعراء المهجر وأدبائه في الامريكيتين واوربا، بل رغبتهم الاولى والاخيرة هي الحاجة للأمان وحرية التعبير دون قيود. لذا ما أن وصلوا واستقروا بهذه البلدان الآمنة حتى بدأوا بترتيب شؤونهم، كالتفتيش عن معارض، إذا كانوا فنانين تشكيليين أو اصدار كتب ومجلات إذا كانوا ادباء. معظمها على نفقتهم الخاصة نتيجة العمل في الليل أو تدابير مرهقة بالمهن الاخرى في الحياة. غير عابئين أو مهتمين إذا ما سمعوا أنّ اسماءهم وكتبهم وضعت على لوائح الكتب الممنوعة أو ما يسمى القوائم السوداء في وطنهم الأمّ لتخويفهم وتكميم أفواههم في الخارج كما لو كانوا ما زالوا في الوطن الذي فارقوه.
بالمقابل لقد بدأت حركة الفنانين العراقيين المبتعثين تنمو أثناء ما كانوا يتكاثرون في الاربعينيات وما بعدها. أكثرهم شهرة وتأثيرا، آنذاك، النحات جواد سليم والرسام فائق حسن وغيرهما.
كان هؤلاء نواة الوعي العراقي الفني نتيجة التعرف على اعمال فناني العالم وخريطة الكرة الارضية برمتها. في هذه الاثناء انبهروا متيقظين لحضارة العراق القديم، فجأة، مكتشفين آثارها النفيسة المنسية وبضمنها التأريخ السومري والبابلي والاشوري ليظهر في أعمالهم. جرى هذا بسبب اكتشافات حملات علماء الآثار بالعراق وقتها، فتفاعلت الغربة القصيرة للفنانين معها، في فتح صالات حضارة وادي الرافدين القديمة بشكل مشوق وحميم.
لكن الأمر اختلف مع التقدم الحضاري واختراع وسائل النقل السريعة والعابرة للقارات وتوفر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة التي تبين التطور الذي حدث لبعض البلدان والتي تشجع المضطهدين على التفكير بالذهاب إليها مما جعلت شعبنا المُضطهد يضع نصب أعينه الهجرة الى تلك البلدان أملاً في البدء بحياة جديدة بعيداً عن قمع الحريّات والاضطهاد الفكري والقتل .
لكن هذه الهجرة لم تنهِ مأساة الكثيرين ممن هاجروا ، لا بل على العكس فقد بدأت معها المعاناة ومن نوعٍ آخر تماماً ، أولها الحنين الى الوطن وثانيها الحنين الى الأهل والأقرباء والأحباب وثالثها المصاعب التي يلاقيها المُهاجر أو اللاجئ بدءاً بتوفير لقمة العيش والبدء من الصفر أكاديمياً واجتماعيا ومادياً الى مصاعب اللغة والتأقلم على العادات والى غير ذلك.
والوقوف أكثر عن تفاصيل حياة الفنان فائق الحكيم الذي جنى عليه النظام السابق واجهزته الأمنية بالمسرح او مسلسلات الاطفال والدبلجة مررنا بحديث الفنانة سناء التكمجي زوجته ورفيقته في اغلب اعماله المشتركة بالمسرح منذ ان كانت احدى طلابه بأكاديمية الفنون الجميلة، اضافة الى تجسيدها دور المعلمة فاطمة في برنامج “افتح يا سمسم” ونجحت فيه نجاحا كبيرا، إضافة لمساهماتها في التأليف والترجمة لأغلب افلام الرسوم المتحركة آنذاك.
تقول سناء التكمجي عن شخصية لينا ومن قام بترشيحها للشخصية، والاعمال الأخرى التي قامت بتقديمها: لقد رشحني لأداء هذه الشخصية الدكتور فائق الحكيم وبشكل مفاجئ وهو يعرف بنحو جلي ان لا خبرة لي ولا تجربة مسبقة في فن الدوبلاج، وباعتقادي انه أراد أن يخوض تجربة جديدة مع صوت جديد في هذا المضمار. شخصية لينا كانت وما زالت تعني لي الكثير، فمن خلالها ولجت دروب فن الدوبلاج، وبمساعدتها تشجعت وبدافع من الدكتور الحكيم على خوض تجربة الترجمة. شخصية لينا تحتل ركناً مهما في نفسي، وأحيا بالذكريات مع كل من يتواصل معي من أجل السؤال عن هذه الشخصية.. انا اعشق المسرح، ولكن لم تسنح لي الفرصة بمزاولته حتى قبل ان أغادر العراق، وذلك لانشغالي بالعائلة والوظيفة، لكن تجربتي مع استاذي ومعلمي الفنان الكبير سامي عبد الحميد تجربة غنية جدا. ومسرحية ملحمة كلكامش التي قام بتأليفها المرحوم الدكتور علي جواد، العمل الذي افخر به، وبرغم ان العمل كان أكاديميا بحتا، إلا انه أخذ شهرة كبيرة، خاصة بعد عرضه في الهواء الطلق في مدينة بابل الاثرية. وتابعت: شاركت واذكر ذلك من باب الشكر والعرفان للمخرج الفنان الجميل جواد الأسدي في مسرحية (العالم على راحة يد)، قُدمت على خشبة مسرح الفن الحديث، وهي من الأدب الروسي.. بصدق تام أنا لم اعتلِ خشبة المسرح كممثلة محترفة كي أغادره، لكنني كونت عائلة قبل ان اتخرج من الجامعة، ثم أجبرتنا الظروف السياسية العصيبة على مغادرة العراق لذلك تعذر تواصلي مع خشبة المسرح العراقي.
وبخصوص مشاركتها ببرنامج افتح يا سمسم، قالت : «الحديث عن علاقتي ببرنامج ( افتح يا سمسم / الجزء الثاني ) له نكهة ما زال حلو مذاقها يملأ كياني، خاصة بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وتواصلي مع الكثير من جيل السبعينيات والثمانينيات، وأنا سعيدة ان اكون احدى العاملات فيه، أما اعادة تجربته او برنامج شبيه فباعتقادي ان هذا ممكن جدا مع وجود مختصين في كل المجالات المتعلقة بالطفل من كتاب سيناريو، وكتاب أغانٍ للأطفال، وملحنين، ومغنين، او مؤدين، ومختصين بالتربية وعلم النفس للطفل، وممثلين يحبون العمل مع الأطفال لان التعامل مع الطفل يكون صعبا احياناً، إضافة إلى تقنيين وفنيين لهم خبرة في مثل هذه البرامج، كما أن العنصر المادي مهم جدا، فبرنامج مثل “أفتح يا سمسم” يحتاج إلى ميزانية عالية جدا “.
وبخصوص تأثير المخرج فائق الحكيم على حياتها الفنية والعائلية، تقول بحسرة: د. فائق الحكيم.. استاذ الفن المسرحي ايام السبعينيات في اكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد وبعدها عمل مخرجا للدوبلاج باحترافية عالية، في مؤسسات وشركات عربية معروفة، مثل مؤسسة الانتاج العربي المشترك لدول الخليج العربي والتي تعنى بأفلام الرسوم المتحركة ومسلسلات الأطفال وأغاني الأطفال وبرامج الأطفال، وكذلك يعد خبيرا معروفا في دوبلاج العديد من الأعمال الفنية التي نالت اعجاب الجمهور العربي من افلام ومسلسلات وبرامج مختلفة. وقد رافقته في معظم الأعمال.
مضيفة: يتمتع فائق الحكيم بمهارة عالية وكفاءة ماهرة ومعرفة واسعة واكتساب خبرة عالمية في مجال التخصص بأسلوب مهني متحضر يعتمد التقاليد المثلى في العمل والدقة والتنظيم والتنسيق والتعامل مع فريق العمل بروح التقدير والاحترام والرعاية الانسانية العالية، لذلك نستطيع القول بأن بعد زواجي من الدكتور والمخرج فائق الحكيم كانت بداية لعطاء كبير في المجال الفني فقد منحني دفعة إذا جاز لنا التعبير أن نحسبه عطاء إلا معه، والدليل على ذلك أنني وقبل أن أشارك في أعمال مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك وحينما كنت ما زلت معه في العراق لم يكن لي أي مشاركة فنية ولا أي اسم لامع في سماء الفن، الدكتور الحكيم هو الذي فتح لي آفاق المشاركة في الأعمال الفنية الجميلة وهو الذي شجعني على الوقوف أمام الكاميرا، وهو الذي دفعني وشجعني للمشاركة في الدوبلاج والترجمة والإعداد، ولولا الدكتور الحكيم لربما ما كنت شاركت في أي مشروع فني أو أدبي ولربما ما كنتم رأيتموني على الشاشة الصغيرة.
توفي فائق الحكيم بعيدا عن وطنه العراق في المغرب عام 2023 بعد مسيرة حافلة جعلت منه رمزاً في ذاكرة الطفولة العربية، وبخصوص سبب وفاة فائق الحكيم، فقد أفادت مصادر صحفية عراقية، توفي إثر معاناته وصراعه الطويل مع مرض السرطان، حيث تفاقمت حالته الصحية سوءًا الأيام الماضية، إضافة الى امراض الغربة على إثر ذلك.
ترك فائق الحكيم وراءه إرثًا فنيًا غنيًا، ستظل أعماله الفنية تعيش في قلوب المشاهدين وتستمر في إلهام الأجيال الصاعدة من الفنانين، وتفاعل الكثير من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي وطلابه مع وفاة فائق الحكيم، الفنان والمخرج العراقي، داعين له بالرحمة، والمغفرة، وأن يلهم أهله وذويه الصبر، والسلوان.