
الواضح أن بعض ردود الفعل الصادرة عن بعض الجهات الغربية في مواجهة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، تهدف في عمقها إلى التخفيف من فظاعة هذا القانون الخطير رغم أنها في ظاهرها تبدو عكس ذلك.
الجمعية الفرنسية التي تحمل اسم (جميعا ضد عقوبة الإعدام) ترى أن تصويت الكنيست الإسرائيلي على هذا القانون الذي يبيح إعدام فلسطينيين أنه “يمثل تراجعا على الديموقراطية الإسرائيلية“، بينما يرى الأمين العام للمجلس المعني بمراقبة حقوق الإنسان في أوروبا أن “دخول هذا القانون حيز التنفيذ سيمثل ابتعادا إضافيا لإسرائيل عن إطار القيم الذي اختارت الارتباط بها تاريخيا”.
ومن جهته، اعتبر المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي هذا القانون “خطوة سلبية من حيث التزام تل أبيب باحترام حقوق الإنسان“، هذه مجرد عينة من ردود فعل ماكرة تنقل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين من حالة انتهاك خطير لحقوق الإنسان من طرف احتلال غاشم تؤكد ممارساته وسياساته أنه كيان يقترف أبشع خروقات حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الحياة، من خلال القتل الجماعي للأشخاص المدنيين، إلى وضعية دولة ديمقراطية زاغت بصفة طارئة وعابرة عن احترام حقوق الإنسان، من خلال قانون واحد قد يسيء إلى سمعتها الحقوقية الناصعة، وقد يبعدها عن القيم الإنسانية التي ارتبطت بها تاريخيا. وبذلك فإن إقرار قانون إعدام أسرى فلسطينيين مجرد انفلات جزئي عن سياق حقوقي وديمقراطي يتعارض مع هذا الاستثناء.وهكذا فإن هذه العينة من ردود الفعل، لا تقتصر على التخفيف من خطورة القانون المصادق عليه، بل إنها في عمقها تقدم صورة مزيفة لاحتلال يباشر ويقترف أبشع الجرائم ضد الإنسانية، من إبادة وتطهير عرقي وإرهاب وغيرها مما لم يعد خافيًا على أحد. وبذلك لم يعد خافياً أن ردود الفعل هذه المخدومة والمقيتة تعد جزءا من هذا القانون، وآلية من آليات إضفاء الشرعية والمصداقية على الجهة التي قررته، من خلال الادعاء بوجود مراجع وقيم حقوقية وديمقراطية لها، وأن ما أقدمت على تشريعه وإقراره لا يتجاوز مجرد خطوة قد تمثل زيغا مؤقتا وظرفيا على هذه القيم والمراجع.
والحقيقة أن الأمر يتعلق بأحد أخطر القوانين التي عرفها العالم المعاصر، لأنه ليس فقط يتيح عقوبة الإعدام، التي يناهضها ويرفضها المجتمع الدولي، والتي قررت العديد من دول العالم إلغاءها، بينما توقفت الغالبية الساحقة من دول العالم على تنفيذها، بل لأن هذا القانون يطبق على المواطنين الفلسطينيين دون غيرهم من المستوطنين والمقيمين الأجانب، بما يفضح بعده التمييزي العنصري العرقي، بل أنه ينص على مقتضيات تعجيزية في تحقيق العدالة القضائية. ناهيك أنه يرتبط بقضايا الرأي والتعبير.
وعوض أن تركز ردود الفعل المذكورة على هذا الجوهر وتسارع بإدانته والدعوة إلى التصدي للجهة التي قررته بعقوبات صارمة تجبرها على التراجع عليه، وعلى وضع حد لاقترافها جرائم فظيعة ضد الإنسانية، واستخدام ما يلائم ذلك من تعابير وجمل، ارتأى أصحابها تغييب هذا الجوهر والاكتفاء بما يخفف الوطء على الاحتلال. ويمكن من تحقيق هدف أكثر خبثاً يتمثل في تجميل صورة مجرم من خلال معارضة ناعمة جداً، ومخدومة بعناية لقرار تتجاوز خطورته ما لا يمكن تصوره.