رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
مختبر الصحافة


المشاهدات 1084
تاريخ الإضافة 2026/04/20 - 11:20 AM
آخر تحديث 2026/04/20 - 2:54 PM

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار حتى تكاد تسبق معناها، تبدو الصحافة الجامعية مساحة هادئة، لكنها عميقة الأثر، لتعلم المعنى قبل السبق، والمهنة قبل الشهرة. من هنا جاء المهرجان الوطني للصحافة الجامعية الذي أقامته جامعة الإمام الصادق، ليؤكد أن صناعة الإعلام لا تبدأ من غرف الأخبار الكبرى، بل من قاعات الدرس، ومن تجارب الطلبة الأولى وهم يخطّون علاقتهم بالكلمة. فالمهرجان لم يكن مجرد احتفال بتوزيع الجوائز، بل كان ورشة مفتوحة للوعي الإعلامي تضمنت افتتاح معرض الصحف الجامعية، بحضور شخصيات أكاديمية وإعلامية، وهذه كلها كانت عناصر صنعت فضاءً حيوياً يلتقي فيه الطالب بالنص، وبالواقع، وبذاته المهنية في آنٍ واحد. وحين تُعرض تجارب الطلبة على هذا النحو، فإنها تتحول من واجبات دراسية إلى مشاريع حقيقية لاختبار المسؤولية.
ما لفت الانتباه في هذا التجمع الصحفي الأكاديمي هو الروح التنظيمية الواضحة، والحرص على إتاحة التنافس بين الطلبة ضمن أطر مهنية. هذا التنافس، حين يُدار بعناية، لا ينتج فائزين فحسب، بل يصنع وعياً نقدياً لدى الجميع. فالطالب هنا لا يتعلم كيف يكتب فقط، بل كيف يُقوم عمله، وكيف يرى نصه بعين الآخر. لكن القيمة الأعمق للمهرجان تجلت في كونه لحظة مراجعة، فالملاحظات التي خرجت بها لجنة التحكيم لم تكن ملاحظات تقنية عابرة، بل مؤشرات على طبيعة التحديات التي تواجه الصحافة الجامعية، إذ أن غياب فن الخبر، مثلاً، يكشف عن فجوة بين طبيعة المطبوعات الدورية ومتطلبات العمل الصحفي القائم على الفورية، كما أن الخلط بين التقرير والتحقيق يشير إلى حاجة ملحّة لتعزيز الجانب النظري بالتدريب العملي. أما غياب الصورة الصحفية وضعف الإخراج، فهما يفتحان سؤالاً أوسع عن فهم الصحافة بوصفها فناً بصرياً أيضاً، لا مجرد نص مكتوب. في زمن الصورة، لا يكفي أن نكتب جيداً، بل يجب أن نرى جيداً. وكذلك الحال في الأخطاء اللغوية، التي تذكرنا بأن اللغة ليست وعاءً محايداً، بل هي جزء من مصداقية الصحفي وهويته. ومن الملاحظات اللافتة أيضاً عدم انتظام بعض الإصدارات، وهو أمر يتجاوز الجانب الإداري ليصل إلى جوهر العلاقة مع القارئ. فالصحافة، حتى في نسختها الجامعية، تقوم على الاستمرارية وبناء الثقة، وهذه لا تتحقق إلا بالانتظام. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تقلل من قيمة التجربة، بل تؤكد حيويتها. فالصحافة الجامعية ليست نسخة مصغرة من الصحافة المهنية، بل هي مختبرها الأول. هنا يخطئ الطالب ليتعلم، ويجرب ليكتشف، ويتعثر ليبني أدواته.
إن أهمية هذا المهرجان تكمن في أنه يضع الطلبة أمام مرآة المهنة مبكراً، ويمنحهم فرصة نادرة لربط ما يتعلمونه نظرياً بما يمارسونه عملياً. وهو، في الوقت ذاته، رسالة إلى المؤسسات الأكاديمية بأن الاستثمار الحقيقي في الإعلام يبدأ من هذه التفاصيل الصغيرة التي تصنع صحفياً كبيراً في المستقبل. وهكذا، لا يكون المهرجان مناسبة عابرة، بل محطة تأسيس، ومن هذه المنصات الجامعية تحديداً، يبدأ الطريق الطويل نحو إعلام أكثر مهنية، وأكثر مسؤولية.


تابعنا على
تصميم وتطوير