
في مدينةٍ تُجيدُ الوقوفَ على حافةِ الذاكرة، حيثُ تختلطُ رائحةُ التاريخِ بصوتِ الحاضر، وُلدتْ تجربةٌ شعريةٌ تشبهُ الموصلَ في عنادها وحنينها وعمقها الإنساني.
من بيتٍ يحتضنُ الفنَّ بكلِّ تجلياته، إلى شغفٍ مبكرٍ بالكلمة، تشكّلت ملامح شاعرٍ ظلّ يرى الكتابةَ ضرورةً لا ترفاً، وملاذاً لا خياراً.
هذا الحوارُ يفتحُ نوافذَ واسعةً على بدايات الشاعر، وعلى تحوّلاته الإبداعية، وعلى علاقته بالحبّ والوطن، كما يكشفُ عن تجربته الثقافية في العمل المؤسسي، ورؤيته لمستقبل الأدب في العراق.
هنا، نحنُ أمام صوتٍ شعريٍّ ظلّ يبحثُ عن ذاته بين تأثيراتٍ كبيرة، حتى استطاع أن يُعلن عن صوته الخاص، بهدوءٍ وصدق.
* أهلا ومرجبا بك استاذ وانت ضيف الزوراء .
ــ اهلا ومرحبا بك وبجريدة الزوراء الغراء وكلي سعادة بهذا اللقاء .
* كيف كانت نشأتك في مدينة الموصل، وما أبرز المؤثرات الأولى التي شكلت وعيك الشعري؟
ــ كنتُ الطفلَ الأول والمدلّل لأمٍ منحتني الكثير من وقتها واهتمامها، حتى بعد أن كبرت العائلة.
أما والدي فكان شاعراً وعازف عود ورسّاماً، إضافةً إلى عمله صائغاً، وهي مهنةٌ عائلية تتطلب دقة عالية. بدأت علاقتي بالكتب بشكلٍ غريب، إذ كنت أمزّقها في طفولتي، قبل أن أتعلم القراءة مبكراً. لاحقاً، صار الكتاب جزءاً من يومي، إلى أن اكتشفت الشعر عام 1989 حين اقتنيت أول ديوان لمحمود درويش، ومنه دخلت هذا العالم الذي لم أخرج منه.
* متى بدأت كتابة الشعر، وما الذي دفعك إلى هذا الخيار؟
ــ في عام 1991 حاولت الكتابة، لكنها لم تكن خياراً واعياً، بل مجرد تقليد ومحاولة للعب بالكلمات، كنت أشبه بببغاء يردد قصائد نزار قباني بأسلوبي الخاص.
* هل تتذكر أول نص كتبته؟
ــ لا أملك ذاكرة جيدة لتلك التفاصيل، لكنني أعرف أن موضوعاتي منذ البداية وحتى اليوم تدور حول المرأة والحب.
* كيف تطورت علاقتك بالشعر خلال التسعينيات؟
ــ كنت أكتب لنفسي فقط، ولم يكن هناك جمهور حقيقي يعكس لي ملامح الشاعر في داخلي، فبقيت التجربة في إطار ضيق بين الأصدقاء.
* متى شعرت أنك تتجه نحو الشعر كتخصص؟
ــ رغم أن الكتابة بالنسبة لي ضرورة، ما زلت أرى نفسي هاوياً، طفلاً يحاول أن يتعلم ويجرب.
* من هم أبرز من تأثرت بهم؟
ــ تأثرت بشكل كبير بنزار قباني، حتى شعرت أنني نسخة ثانية منه، لكنني لاحقاً حاولت التحرر من هذا التأثير وبناء صوتي الخاص.
* كيف كانت بداياتك مع النشر؟
ــ في عام 1995 ذهبت إلى جريدة الحدباء وقدّمت نصوصي للشاعر عبد الوهاب إسماعيل، الذي شكّ في البداية بملكيتي للنص، لكنه قال إن الزمن كفيل بإثبات ذلك.
* ما الصعوبات التي واجهتك؟
ــ لم تكن هناك صعوبات كبيرة، فقد حظينا بدعم كبير من الشعراء الكبار الذين منحونا الثقة والنصح.
* كيف أثرت البيئة الثقافية في الموصل على تجربتك؟
ــ كانت بيئة غنية ومحفزة، منحتنا مساحة للتجربة واحتضنتنا بشكل جميل.
* ما طموحاتك في تلك المرحلة؟
ــ كنت أبحث عن صوتٍ يشبهني، وأن أكون جزءاً من المشهد الشعري وأترك أثراً صادقاً.
* ماذا مثّل لك إصدارك الأول قصائد تحترف العشق ؟
ــ كان إعلاناً حقيقياً عن وجودي، ونقلة مهمة في مسيرتي، وما زلت أشعر بالسعادة كلما عدت إليه.
* كيف تطورت تجربتك بين إصداراتك المختلفة؟
ــ بعد مجموعتي الثانية شعرت أنني لم أقدم جديداً، فتوقفت عن النشر لفترة طويلة، وانشغلت بالقراءة. وبعد سنوات طويلة، عدت بمجموعة استطعت من خلالها امتلاك صوتي الخاص.
* ما الذي يميز هناك حيث نموت ونبيذ فستانها الأحمر ؟
ــ الأولى كانت تجربة وطنية مرتبطة بمرحلة صعبة عاشتها الموصل، أما الثانية فعودة إلى عالمي المفضل في شعر الحب.
* كيف تطورت لغتك الشعرية؟
ــ لم تتغير بقدر ما تعمقت، وأصبحت أكثر وعياً وأقل استعجالاً، وأكتب الآن لأعبّر عن داخلي لا لإرضاء الآخرين.
* كيف تصف تجربتك في اتحاد الأدباء والكتاب في نينوى؟
ــ كانت تجربة ثرية جمعت بين الإبداع والعمل المؤسسي، ومنحتني فهماً عميقاً لكيفية بناء الفعل الثقافي.
* ماذا أضافت لك رئاسة الاتحاد؟
ــ جعلتني أنظر إلى الثقافة من زاوية أوسع، وتعلمت من خلالها إدارة التنوع والإصغاء للآخرين.
* ماذا تمثل لك المشاركات في المهرجانات؟
ــ هي اختبار حقيقي للنص أمام الجمهور، ومحطات مهمة للنضج والتطور.
* كيف ترى واقع الحركة الأدبية في الموصل؟
ــ تعيش اليوم نهضة واضحة رغم كل التحديات، وقد ساهمنا في إعادة إحياء النشاط الثقافي حتى في أصعب الظروف.
* ما رؤيتك لمستقبل الأدب في العراق؟
ــ أنا متفائل جداً، فهناك أصوات شابة واعدة، وأطمح أن أكون جزءاً فاعلاً في هذا التحول.
الخاتمة
بين البدايات المتعثرة والاكتشافات المتأخرة، وبين تأثيرات الكبار ومحاولات التحرر منها، تتشكل تجربة هذا الشاعر بوصفها رحلة بحثٍ مستمرة عن صوتٍ خاص. تجربةٌ تؤمن بأن الشعر ليس مهنةً ولا ادعاءً، بل حالةٌ وجودية تُشبه التنفس، وأن الطريق إلى القصيدة الحقيقية يمرّ دائماً عبر الصدق، مهما طال الزمن.