
ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر المتضامنة، وعلى شعور حي بالانتماء إلى الوطن، بوصفه أفقًا جامعًا وملاذًا إنسانيًا يأوي إليه الجميع. تتحقق دولة المواطنة حين تتجسد المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق وأمام القانون، ويتكافأ الجميع في الفرص، وتُسند المسؤوليات إلى كل مواطن وفقًا ومواهبه وإمكاناته وتكوينه العلمي وتخصصه، في إطار نظام عادل يضمن كرامة الإنسان ويصون حرياته ويحمي حقوقه، ويؤسس لعقد اجتماعي يربط بين الدولة ومواطنيها على قاعدة العدالة والإنصاف.
أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء إلى العقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه إلى وطن آخر، حتى لو كان في أقصى أطراف الأرض، إذ تتراجع الجغرافيا في هذه الحالة إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الرابط العقدي هو المحدد لشكل الانتماء وحدوده. في حين تحرس الحدود الوطنية سيادة الدولة وتصونها من أي نفوذ خارجي أيًا كان مصدره، ولا تسمح بتوظيف موارد الوطن وثرواته خارج مصالح أبنائه تحت أية ذريعة. حدود الدولة الوطنية ترسمها خارطة الأرض، وما تعكسه من إرادة سياسية وهوية جامعة تتجسد في حماية المجال الوطني، وضمان توجيه ثرواته لبنائه وعيش مواطنيه.
الحدود الأيديولوجية لا تحمي الأوطان، إنها تفتّت خرائطها، وتحولها إلى كيان مفتوح لا يختص بالمواطنين، يتّسع لكل من يعتنق أيديولوجيا السلطة. تكشف ذلك تجارب الأنظمة اليسارية والقومية، منذ تأسيس الاتحاد السوفياتي وما تلاه، كما يتكرر اليوم في أنظمة أصولية في بعض الدول. في هذا الواقع يُعامل الأجنبي المتبني للأيديولوجيا ذاتها بوصفه شريكًا كامل الشرعية، يتمتع بحقوق واسعة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وقد يفضي هذا النمط من الشراكة إلى اختلال ميزان السيادة، حين يتمادى هذا الشريك في توظيف موقعه، فيتجاوز حدود المشاركة إلى الهيمنة، ويغدو في بعض المواقف أقدر على توجيه القرار من الحاكم والمواطن معًا.
ينبغي أن يتجذر الحس الوطني في تشكل الهوية في وعي كل مواطن في مجتمعنا، على أساس أسبقية الانتماء إلى الوطن بوصفه الإطار الجامع، فيرى العراقي نفسه عراقيًا أولًا، ثم عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، ثم مسلمًا أو مسيحيًا أو مندائيًا أو إيزيديًا، ثم شيعيًا أو سنيًا أو كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا أو أرثوذكسيًا، وهكذا في تدرج يرسخ وحدة المجال الوطني من دون أن يلغي تنوع الانتماءات. في هذا الترتيب لا تذوب الهويات الفرعية، وإنما تنتظم في أفق وطني أوسع، يضمن تماسك المجتمع، ويحول دون انقسامه إلى ولاءات متنازعة تقوّض الدولة، وتبدد إمكان العيش المشترك.
هذا التسلسل الهوياتي يمكننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، ويؤسس للمواطنة الدستورية بوصفها القاعدة التي تقوم عليها الدولة اليوم، حيث تنتظم الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي واحد، ينتمي فيه الجميع إلى أرض مشتركة، ومصائر مترابطة، وتاريخ واحد، ويتضامنون على مصالح جامعة. في سياق هذا الفهم لا يُلغى التنوع، وإنما يُعاد ترتيبه داخل إطار وطني يضمن تماسك المجتمع واستقرار الدولة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتتقدم الطائفة أو القومية، ويتراجع الوطن إلى مرتبة دنيا، يتعذر تشييد دولة المواطنة بمعناها السياسي، ويخفق مشروع الدولة الحديثة، لأن الولاءات المتنازعة تستنزف المجال العام وتبدد إمكان بناء عقد وطني جامع.
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يزيح الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص تحكمه العصبية، ويقيمه هاجس الدفاع عن الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية الجامعة.
حين تتصدر القومية أو الطائفة موقع الهوية الأولى، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، يتآكل المعنى الذي يجمع المواطنين في إطار واحد، ويضمحل أثر المصالح المشتركة والمصائر المتداخلة والتاريخ المشترك في بناء الدولة. في هذا المجتمع يتفكك المجال العام إلى ولاءات متنازعة، ويغدو العقد الوطني هشًا، عاجزًا عن تأسيس سلطة عادلة تمثل الجميع وتصون كرامتهم. عندئذ تتوارى الهوية الوطنية خلف الهوية الفرعية، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن، ويغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها يظل مشروطًا بولاء سابق أو موازٍ للجماعة، ووضع كهذا لا يتيح قيام عقد اجتماعي يلتقي عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية الطائفية والقومية وتغيب الهوية الوطنية، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بسواه ممن يعيش معه على أرضه ويلتقي معه في المصائر والمصالح، فيغدو الوطن ساحة لصراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المتضامنة.
تفشت في جيلنا والجيل السابق اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي ينتمي إلى فضاء أيديولوجي عابر للحدود قبل انتمائه إلى وطنه، فيرى ذاته في الاتحاد السوفياتي ومحوره، أو في الصين والدول التي تدور في فلكها، يستمد منها تصوره للسياسة والدولة والمجتمع. وكان القومي العربي يقدم انتماءه إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية على انتمائه الوطني، ويرتبط رمزيًا بقيادتها وتنعكس في رؤيته ومواقفه السياسية مواقفها ورؤيتها.
كما تمثلت في تجربة جمال عبد الناصر وأمثاله من القوميين، بما حملته من قدرة على تعبئة الجماهير، وصياغة خطاب تجييشي عاصف عابر للحدود. ثم اتخذ الانتماء لدى تيارات الإسلام السياسي مسارًا مماثلًا، إذ غدا الارتباط بالدول أو المرجعيات الدينية، كل بحسب موقفه المذهبي، متقدمًا على الانتماء الوطني، بما يعيد إنتاج ولاءات تتجاوز الدولة وتضعف مركزيتها في وعي المواطن.
عشتُ اضطرابات الهوية السياسية بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يمثل الهوية الأصلية، وأن العقيدة لا تحدها أرض، كما رسخته أدبياتها في وعينا. في تلك المرحلة تراجع حضور الوطن بوصفه أرضًا وتاريخًا وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة، وتوارى في وعينا، فلم نعد نرى في الانتماء إليه إطارًا جامعًا يوحّدنا مع أبناء هذه الأرض الذين نتقاسم معهم العيش على تربة العراق الطيبة. هيمنت ولاءات عابرة للحدود، تستمد معناها من خطاب أيديولوجي يعلو على الواقع ويتجاوز شروطه، فحجبت معنى الوطن، وأضعفت الشعور بالانتماء إليه.
لم تنكشف لي هويتي العراقية، وتنبعث في ضميري، ولم يترسخ انتمائي الفعلي إلى وطني، إلا في تجربة المنافي، حين عشت سنوات طويلة في أكثر من بلد.كنت أواجه في كل مرة نظرة الآخر إلي بوصفـي أجنبيًا، منزوع الحقوق قياسًا بما يتمتع به هو، ومقيد الحريات قياسًا بما يملكه. في ذلك الامتحان القاسي للغربة أخذت الهوية الوطنية تستيقظ في أعماقي، حتى استفاقت بكامل حضورها، لحظة تذوقت معنى الخلاص من اغتراب امتد عقودًا، وعشت بهجة الكرامة تحت سماء وطني العراق، إذ لا سماء كسماء وطني. منحني العيش على أرض العراق، بعد عودتي من المنفى، شعورًا بالثقة والعزة والرفعة، وأنا أستعيد صلتي بأرض انتميت إليها وجودًا وثقافة وتاريخًا، وتكونت في أفيائها هويتي الوطنية الأولى.