رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هل يبتلع تعدد الجبهات النظام الدولي الراهن؟


المشاهدات 1117
تاريخ الإضافة 2026/04/23 - 2:35 AM
آخر تحديث 2026/04/23 - 12:51 PM

يعيش العالم اليوم مخاضاً عسيراً يعيد تشكيل توازنات القوى العالمية، حيث لم تعد النزاعات الإقليمية مجرد أحداث معزولة، بل تحولت إلى تروس في ماكينة واحدة تصدم المصالح الدولية ببعضها بعضاً. ففي مشهد دراماتيكي، جاءت تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي حول تداعيات الصراع في إيران، لتقاطع التحذيرات الصينية الصارمة لواشنطن وطوكيو، مما يرسم صورة لواقع دولي يقف على حافة “الاحتراق الشامل” أو إعادة الهيكلة الجذرية، فقد حذر زيلنسكي من أن الحرب في إيران تقوي روسيا وتستنزف الغرب، وهو لم يكن يتحدث من منطلق التنبؤ العسكري فحسب، بل كان يوجه صرخة استراتيجية لـ “عقل” القرار الغربي. 
المنطق الذي ساقه زيلنسكي يقوم على فرضية “تشتيت الانتباه والموارد”. فبالنسبة لكييف، أي اشتعال لجبهة جديدة في الشرق الأوسط يعني بالضرورة تراجع ملف أوكرانيا إلى المرتبة الثانية في أولويات البيت الأبيض.
ولا شك ان استنزاف احتياطيات الطاقة في أوروبا، نتيجة اغلاق مضيق هرمز، سيؤدي حتماً إلى “إنهاك اجتماعي” داخل القارة العجوز. فالمواطن الأوروبي الذي تحمل تبعات الانفصال عن الغاز الروسي، قد لا يجد القدرة على تحمل قفزات جنونية جديدة في أسعار الوقود بسبب حرب إقليمية في الشرق الأوسط. هنا، تصبح روسيا هي المستفيد الأكبر؛ ليس فقط من ارتفاع أسعار النفط الذي يغذي خزائن حربها، بل من حالة “السيولة السياسية” التي ستصيب التحالف الغربي.
وبالتزامن مع هذه المخاوف، تبرز جبهة المحيط الهادئ كبرميل بارود آخر، فالتحذير الصيني الأخير لليابان والولايات المتحدة لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هو رد فعل على تحول استراتيجي عميق في العقيدة العسكرية اليابانية. طوكيو، التي ظلت لعقود متمسكة بدستورها السلمي، بدأت في اتخاذ خطوات نحو العسكرة وتصدير الأسلحة، وهو ما تراه بكين تهديداً مباشراً لمجالها الحيوي.
واللافت أن استخدام بكين لمصطلح “اللعب بالنار” يعكس إدراكاً صينياً بأن واشنطن تحاول بناء “ناتو آسيوي” يطوق التنين الصيني. ومع انشغال الولايات المتحدة بدعم أوكرانيا وحربها مع إيران، ترى الصين أن واشنطن تمر بحالة من “التمدد الإمبراطوري الزائد”، حيث تلتزم بحماية حلفاء في ثلاث قارات مختلفة في آن واحد، مما يجعل قدرتها على الردع الفعلي موضع تساؤل.
والجدير بالذكر ان الجبهتان (الأوكرانية والآسيوية) ترتبطان برباط وثيق هو “أمن الطاقة”، فإيران، بصفتها لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمي، تمتلك القدرة على خنق سلاسل التوريد العالمية. وإذا ما اندلعت الحرب من جديد هناك، فإن أوروبا ستجد نفسها بين مطرقة الحاجة للنفط وسندان التزامها الأخلاقي والسياسي بدعم أوكرانيا. هذا السيناريو هو ما وصفه زيلنسكي بـ “استنزاف الاحتياطيات”، وهو السلاح الذي تعول عليه موسكو لفك ارتباط أوروبا بواشنطن.
من جهة أخرى، تراقب الصين هذا المشهد بحذر؛ فهي أكبر مستورد للطاقة في العالم، وأي اضطراب في الشرق الأوسط سيؤثر على نموها الاقتصادي. لكنها في المقابل، تجد في الانشغال الأمريكي فرصة ذهبية لفرض واقع جديد في تايوان وبحر الصين الجنوبي، مستغلة حالة الإرهاق التي تصيب الميزانية والترسانة العسكرية الأمريكية.
ويمكن القول ان الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام معضلة تاريخية: كيف يمكنها الحفاظ على ريادتها الدولية في ظل تعدد بؤر الصراع؟ الاستنزاف الذي تحدث عنه زيلنسكي ليس مادياً فحسب، بل هو استنزاف “للمصداقية”. فإذا فشلت واشنطن في تأمين الدعم الكافي لأوكرانيا بسبب انخراطها في الشرق الأوسط، أو إذا تراجعت أمام الطموح الصيني في الهادئ، فإن عقد التحالفات الدولية سيتفرط بسرعة غير مسبوقة.
ومن المعلوم ان كلاً من اليابان وفنلندا وبولاند والفليبين، كلها دول بنت استراتيجياتها الدفاعية على “الضمانة الأمريكية”. وأي اهتزاز في هذه الضمانة نتيجة “الإرهاق” الذي حذر منه زيلنسكي، سيدفع هذه الدول للبحث عن خيارات بديلة، قد تشمل سباق تسلح نووي إقليمي أو الانكفاء نحو تفاهمات منفردة مع الخصوم (روسيا والصين).
في الختام إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صدفة جيوسياسية، بل هو تداخل معقد بين مصالح القوى الكبرى. وتحذير زيلنسكي يقرع جرس الإنذار من “تآكل المركز”، والتحذير الصيني يرسم “خطوطاً حمراء” جديدة. العالم لم يعد يتحمل سياسة “إطفاء الحرائق” المنفردة، فنيران الشرق الأوسط تحرق احتياطيات أوروبا، ونيران أوكرانيا تستنزف مخازن أمريكا، ونيران الهادئ تهدد بهدم الهيكل الاقتصادي العالمي.
نحن أمام لحظة فارقة، حيث يتطلب الاستعداد لعقد من الزمان تسوده “حرب استنزاف عالمية” لن يخرج منها أحد منتصراً تماماً، بل ستكون الغلبة فيها لمن يمتلك “النفس الأطول” والقدرة الأكبر على تحمل آلام التحول الهيكلي في النظام الدولي.


تابعنا على
تصميم وتطوير