رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الهجرة وسؤال زوال دول


المشاهدات 1203
تاريخ الإضافة 2026/04/25 - 9:27 PM
آخر تحديث 2026/04/26 - 3:54 PM

اعتاد الخلاف حول قضية المهاجرين الأجانب في الدول الغربية بالخصوص، أن يقتصر على موقف يميني معتدل أو متطرف يرفض الآخر القادم من الخارج، المختلف عنه لونا ولغة ودينا وعرقا وجغرافيا، وعلى موقف يستند إلى مراجع حقوقية كونية نابعة من القيم الإنسانية التي توحد كل البشر بغض النظر عن اعتبارات وعوامل العرق واللغة والدين واللون والجغرافيا. وهذا تجاذب صاحب تعاطي المجتمعات مع هذه الظاهرة الإنسانية التي لازمت البشرية منذ قرون خلت.
حاليا، دخلت وجهة نظر ثالثة على خط هذا التجاذب، والتي تنظر إلى الظاهرة من زاوية ديموغرافية واقتصادية تكتسي أهمية كبيرة وترهن مصائر العديد من الدول.ذلك أن التراجع المهول في معدلات الولادة بسبب عوامل كثيرة من تأخر سن الزواج وتقلص المواليد في الأسرة الواحدة و ارتفاع تكاليف العيش و غيرها كثير، وارتفاع معدلات الوفيات لدى فئة المسنين الذين تزايدت أعدادهم مما تسبب في اختلالات عميقة في تمويلات الرعاية الاجتماعية ، في ضوء كل ذلك و غيره كثير دخلت المجتمعات الغربية بالخصوص في مرحلة مواجهة جيل جديد من التحديات التي ترهن مستقبلها، وبدأ الحديث فعلا عن انقراض دول في المدى البعيد إذا لم يتم التوصل إلى حلول جذرية للإشكالية الديموغرافية التي تهددها، ومن هذا الجانب بدأ الحديث عن إدراج قضية الهجرة في إطار هذه الحلول، بما يمكن من توظيفها في السياق الإيجابي الذي يخدم مصالح الدول المهددة بالزوال .في هذا الشأن نتوقف قليلا عند بيانات صادرة عن (المكتب الوطني للاستشراف والاستراتيجية) الإسباني التابع لرئاسة الحكومة.فقدت طرحت هذه المؤسسة الاستشرافية التي تهتم بالدراسات المستقبلية سؤالا جوهريا، فحواه، ما الذي سيحدث خلال الخمسين سنة المقبلة إذا ما انخفضت الهجرة إلى إسبانيا بنسبة لا تتجاوز 30 بالمائة فقط؟
الإجابة التي تعرضها هذه البيانات تتمثل في أن دولة الرفاهية قد تنهار. ذلك أن إسبانيا ستكون أقل سكانا بحلول سنة 2075 بنسبة ستتجاوز 25 بالمائة، حيث سينخفض عدد السكان من 55 مليون إلى أقل من 40 مليون، وستختفي 2300 قرية من الخريطة وستخسر إسبانيا تسعة ملايين من اليد العاملة، وانخفاض بنسبة 22 بالمائة في الناتج المحلي الإجمالي، وستفقد إسبانيا 63 ألف طبيب وستغلق 50 ألف حجرة دراسية في المستويين الابتدائي والثانوي.
مصادر ديموغرافية دولية أخرى تعزز هذا التوجه في النقاش العالمي فيما يتعلق بالتعامل مع قضية الهجرة، لأن التفاوتات الكبيرة في التوازن الديموغرافي بين المواليد والوفيات يهدد فعلا مستقبل دول غربي، وفي حال العجز على إيجاد حلول لهذه الاختلالات فإن دول غربية كبرى وعظمى مهددة بالانقراض في غضون قرون قليلة جدا، ولذلك فإن تغيير ثقافة التعامل مع الهجرة سيضمن التخفيف من حدة هذا التهديد ويبعد أخطاره لعقود طويلة من الزمان.
الغريب أن اليمين المتطرف، وحتى المعتدل منه، في الدول الغربية، غير قادر على استيعاب هذه التحديات، رغم أن قيادات كثيرة من تشكيلات هذا اليمين وصلت إلى الدول الغربية عن طريق الهجرة نفسها. بما يعني أن هذا اليمين أصبح يشكل تهديدا لمصالح مجتمعاته ومواطنيه، ليس لأنه لا يشاطر البشرية مراجعها الإنسانية والقيمية، بل لأنه يساهم ويعاند ويناضل من أجل زوال المجتمعات الغربية على المدى البعيد.


تابعنا على
تصميم وتطوير