
المخرج المسرحي المغترب الراحل « محسن سعدون ياسين الواسطي»، ولد في الحي بمحافظة واسط ، تخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد فرع المسرح وكان من الأوائل، وحصل على منحة من المعهد لدراسة فن المسرح بموسكو في أهم أكاديمية هناك ، وبعد عودته عين أستاذا في معهد الفنون وقدم في هذه الفترة أكثر من نص للإخراج لم تسلم جميعها من مقص الرقابة مما جعله يفكر في فسحة أفضل للحرية. فخرج قاصدا تشيلي بلد زوجته أستاذة الباليه إلينا غوتيريز ابنة الروائي الكبير خواكين غوتيريز.
وكان ذلك في ستينات القرن المنصرم. أخرج بعد عودته عملين مسرحيين هما « حلم لليلة صيف» لشكسبير “وفي القصر» الذي مثلت في هذا العمل الفنانة القديرة وداد سالم ، ومثل دور الملك في مسرحية» هملت» المخرج القدير حميد محمد جواد
وقد اشتغل بعد ذلك مخرجا في المسرح الوطني بسنتياغو وقدم على إثرها عروضا مسرحية عديدة وكان يلقب بملك المسرح ، وبعد الانقلاب العسكري الفاشي في تشيلي ، انتقل ثم إلى الإكوادور حيث كان يرأس قسم المسرح في الأكاديمية وقدم عروضا مسرحية كثيرة هناك وفي جانب مهم ركز الاعلام عليه فهناك تغطيات لصحف تشيلية عن المخرج العراقي في سبعينيات القرن الماضي، الذي لقي الترحاب والتعاطف معه وهو الواصل إلى بلد كان قد خرج للتو من نفق الديكتاتورية، مثلما كان الحال في تشيلي التي تمر بذات الوضع في بلده العراق حيث تُظهر الماضي العنيف للدولة الجنوب أمريكية.
يسأل مذيع من تشيلي الفنان سعدون في مقابلة تلفزيونية عما إذا كان ينوي العودة للعراق، فيجيب: العودة لم تكن ممكنة في وجود الرئيس صدام حسين، وهي غير ممكنة الآن مع القتل الدائر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.
عاش الفنان محسن السعدون حياة غنية ملئ بالحب والدهشة والإبداع وأصبحت له صدقات رائعة منها صداقته بالرسام الاكوادوري اسفالدو غو ياسمين وبابلو نيرودا وزوجته الرسامة التي اهدته عمل من نتاجها ،والفنان العراقي الراحل فائق حسين الذي التقاه في الاكوادور ، والفنان محمد مهر الدين والمسرحي الكبير قاسم محمد وصديقة المسرحي الراحل سامي عبد الحميد، وأستاذه وصديقة المسرحي الراحل ابراهيم جلال ، وغيرها من الأسماء الطيبة.
عاش المخرج والممثل محسن السعدون في مع مرحلة مهمة من تاريخ بدايات المسرح ومخرجين وكتاب متميزين بسبب الخبرة الطى اكتسبوها من تجاربهم داخل وخارج القطر، فبرز عدد من المسرحيات كمسرحية (الخرابة) و(المفتاح) لـ(يوسف العاني) ومسرحية (النخلة والجيران) لـ(قاسم محمد) الطى استلهم فيها التراث القصصي العراقي، كما استلهم التراث الأدبي العربي في (بغداد الازل بين الجد والهزل) والموروث الشعبي في (كان ياما كان) و(مقامات الحريري) و(مجالس التراث) كما كتب الاديب (محيى الدين زنكنه) عددًا من المسرحيات كمسرحية (السؤال).
ومن جانب آخر برزت هنالك عدد من النصوص المسرحية التي عكست واقع الحياة الجديد كموضوعة الأسر والحرب وانعكاساتها على الأسرة والمجتمع، مثل مسرحية: حكايات العطش والأرض والناس – لقاسم محمد، ومسرحية الغائب – لفاروق محمد
وخلال هذه الفترة وما قبلها قضى المخرج المسرحي العراقي محسن سعدون ياسين معظم حياته في المنفى القسري. وقامت ابنته عشتار ياسين جوتيريز، ببناء صورة محببة لوالدها من خلال الفيلم، ومرثية لوطن لا يمكنهم العودة إليه – لأنه قد تغير كثيرًا، ولأنه ربما كان دائمًا عبارة عن فكرة أكثر من كونه واقعًا. تتعقب المخرجة رحلات والدها العالمية مستعينة بالصور العائلية والملصقات المسرحية وقصاصات الصحف، بالإضافة إلى التسجيلات الصوتية ومقتطفات من الرسائل التي تبادلاها، مع طوابع بريدية من كوستاريكا وتشيلي والدنمارك.
وربما ينقصنا الكثير من الأرشيف وبالذات الاعمال المسرحية والتأليف وبما يلحق بذلك ، فكان لابد من اللجوء الى البحث عن تاريخ هذا الفنان الذي عاش اغلب حياته لاجئا هاربا عن وطنه .. وبالصدفة واثناء بحثنا المستمر عن منجز الفنان السعدون عثرنا على فيلم وثائقي اخرجته ابنته عشتار بعنوان «»بلادي الضائعة» (My Lost Country). ووجدنا فيه وثيقة حية بالأرقام والدلالات التي تشير لدوره بالمسرح العراقي في الداخل والخارج .
الفيلم يقدم الفنان المخرج المسرحي محسن السعدون ينظر من نافذة صغيرة كان يراقب الشارع اللندني تحت شقته، تخترق الشمس نافذة الشقة أحيانا لتحجب الرؤية، وعندما تغيب يمكن تبين بعض ملامح المدينة الشهيرة، فهذه الحافلات اللندنية الحمراء المعروفة تمر في الشارع لتنقل راكبيها إلى وجهاتهم المختلفة.
تتذكر المخرجة مع والدها مشاريعه المسرحية التي شهدت على بعض منها، وسيحتاج الأبُ الذي كان يلهث من التعب بعضَ الوقت لتذكر ما تقصده بنته، بيد أن حديثَ المسرح سيفتح شهية الرجل الذي أثقلته الشيخوخة والأمراض، وسيستعيد بحيوية مشاريع مسرحية قديمة. تنتهز المخرجة وجودها بالعراق لتصور مشاهد تتناغم مع مزاجها الفني الخاص، فتضع قناعا أقرب إلى أقنعة الجنيات، وتتمشى في شوارع مدمرة بمدينة الموصل التي شهدت معارك عنيفة عند تحريرها من تنظيم داعش. كما تصور عزف فنانين شارع عراقيين، في مشهد أصبح نادرا على الحيز العام في العراق.
تزرع المخرجة نبتة مع طفلة من عائلة والدها في بيتها، وهو المشهد الذي يصل بين الماضي والمستقبل.
تمزج المخرجة تاريخها الشخصي ودلالات اسمها مع تاريخ العراق، فتستعين بصور ومشاهد صورتها لآثار عراقية، منها مشاهد في المتحف البريطاني في العاصمة لندن، كما تعرض المخرجة فيلما أرشيفيا نادرا يعود لعام 1920، يستعرض عمليات تنقيب عن آثار في مدينة الموصل في العراق.
صوّرت تلك المشاهد قبل سنوات ابنةُ المخرج المسرحي «عشتار ياسين غوتيريز»، وهي المخرجة السينمائية التي تسجل أزمانا من حياة والدها، وستجمعها في فيلمها التسجيلي الشديد الخصوصية الذي يحمل عنوان «بلادي الضائعة» (My Lost Country).
تغوص المخرجة بشاعرية كبيرة في حياة والدها، وتشتغل تقنيا على الصور، فتضيف ألوانا خاصة للصور الأرشيفية في مواضع، وحبوبا أو نمشا خشنا على الصور في مواضع أخرى.
يبدو التصوير في بعض المشاهد الاستعادية كأنه دخول في شرنقة الزمن، فالألوان تتغير درجة قوتها، وأحيانا تتبدل الألوان بألوان أخرى.
ولعل ما يميز هذا الفيلم الذي عرض في الدورة الأخيرة لمهرجان إدفا الهولندي للسينما الوثائقية، هو اقترابه من الوجع الذي يحمله أبناء عراقيين مهاجرين، وقد حملوا حب العراق كأنه لعنة أحيانا، وكان العراق حلقة معقدة في علاقتهم بآبائهم وأمهاتهم. فحُب العراق الذي كان محسن سعدون يجرّه معه في منافيه المتعددة، انتقل بطرق متنوعة إلى ابنته المخرجة، وما هذا الفيلم سوى أحد تمظهرات هذا الحب.
كان سعدون غائصا في أفكاره وذكرياته وهو ينظر بصمت إلى الشارع، فهو في محطة حياته الأخيرة، ولم يبق له من العمر الكثير، إذ أنه سيفارق هذا العالم بعد أشهر قليلة فقط من تصوير تلك المشاهد.
تختار المخرجة مقاربة مختلفة بالكامل لتاريخ والدها الشخصي، فهي تستعيد ذلك التاريخ من قنوات العواطف الذاتية والتجارب الخاصة، وما تركه هذا التاريخ عليها، وكيف رسم ملامح شخصيتها، وحدّد الطرق التي ستأخذها في الحياة.
ورغم انها لا تتحدث المخرجةُ اللغةَ العربية، لكن هذا لا يعرقل أو يؤثر على مشروعها السينمائي، إذ أنها تبحث في فيلمها عما وراء اللغات والهويات المحدودة، وهذا ستعثر عليه في التاريخ العراقي القديم الذي طالما شغل والدها المخرج المسرحي، فقد منحها اسم «عشتار» بدلالاته الرمزية والحسية المتعددة.
يبدأ الفيلم بمشهد صوّر من كاميرا ثابتة لمبنى معهد الفنون المسرحية في بغداد، ولم يظهر أي عراقي أمام المبنى الذي أصابه الإهمال، كحال الكثير من المباني الحكومية العراقية. تدخل الكاميرا إلى المبنى، وتصل الى أحد الصفوف الفارغة، وعندما تفتح المخرجة الشباك المغطى بالتراب، تدخل الضوضاء البعيدة إلى الصف، بينما بدا حديد شباك الصف أقرب إلى حديد زنزانات السجن.
وفي مشهد طويل آخر سجلت عدسةُ الكاميرا -التي كانت في الصفوف الخلفية لقاعة مسرح عراقي- المخرجةَ وهي تعد لعرض مسرحي، إذ كانت تنقل أثاثا على خشبة المسرح، بينما كان أحد أضواء المسرح يركز على كرسي فارغ، في إشارة موجعة لوالدها المسرحي الغائب الذي أجهض الوضعُ السياسي في العراق أحلامَه.
لا تتبع المخرجة أي سرد تقليدي أو بناءات جاهزة، وتنتقل انتقالات عاطفية لها على الأرجح علاقة بذكرياتها وهواجسها، فهي مثلا تتصفح أحد الكتب القديمة عن العراق باللغة الإنجليزية، وكانت على الأرجح برفقة والدها.
حتى الصور الفوتوغرافية التي تستعين بها المخرجة من أرشيف والدها أو أرشيفها الخاص، تشتغل عليها تقنيا، لتبدو كأنها وسيط لنقل انفعالات وعواطف خاصة من عالم المخرجة الذاتي، وكيف تتذكر تفاصيل من طفولتها وحياتها السابقة والناس الذين مروا في تلك الحياة.
يسمع محسن سعدون أغاني عراقية قديمة لم يكن يعرف أنه كان يعرفها أو يفكر بها منذ عقود، هذا ما سيبوح به من شقته اللندنية لكاميرا ابنته الحميمية، وهو «يسمع هذه الأغاني بصحوه ونومه» كما يقول.
يبدأ سعدون نفسه بغناء أغنية عراقية حزينة مجهولة، ليترك هذا المشهدُ الذي يظهر الرجل بضعفه الواضح والشيب يغطي شعر رأسه حزنا كبيرا، وهو لم يكن دائما بهذا الضعف، فأحلامه لمهنته وبلده كانت جامحة، قبل أن تصطدم بصخرة الواقع والحال العام في العراق.
تمر المخرجة بكاميراتها على جدار علقت عليه صور من مسيرة المخرج في تشيلي، وهي وجهة غريبة للاجئين العراقيين الذين اختاروا دولا أوروبية ملتجئا لهم.
في ذلك الفيلم يظهر عمال عراقيين بدا عليهم الفقر الشديد وهم يقلبون لقى أثرية من ماضٍ تليد، ليضيف هذا الفيلم الأرشيفي لمسة إلى المفارقة المأساوية التي تطبع دوما حياة العراقيين، فهم يتأرجحون بين الغنى والعنف، وبين الماضي المجيد والحاضر المتردي.
ربط اليسار الفكري العالمي بين العراقي محسن سعدون وزوجته المسرحية التشيلية والدة المخرجة عشتار، ويستعيد الفيلم بالصور الفوتوغرافية بدايات قصة الحب بين الزوجين اللذين جمعتهما طموحات التغيير التي سادت الكثير من الدول حول العالم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
لا تهتم المخرج بتقديم سيرة متسلسلة لقصة حياة والديها، لكنها تعرض مثلا صورا جميلة كثيرا لزواج الوالدين في العراق في نهاية الستينيات من القرن الماضي.
تجمع الصور تلك عراقيين متنوعين يلبس الشباب منهم ألبسة عصرية، بينما كان بعضهم يلبس مفتخرا ألبسته المحلية التراثية.
ولم يكن العروسان السعيدان أو المدعوون يعرفون كيف مصائرهم ستتفرق بعد تلك الحفلة، وأن سعدون الذي كان يحمل آمالا كبيرة لبلده وفنه سيهاجر إلى تشيلي بلد زوجته، قبل أن يتركها ويذهب إلى العاصمة الروسية موسكو، وبعدها إلى لندن المدينة التي سيقضي فيها سنواته الأخيرة.
تواصلا مع أسلوبها الخاص، تختار المخرجة ألا تملأ الفراغات في تاريخ عائلتها، فهي مثلا غير مهتمة بسرد تقليدي أو رسم خط زماني، بل إنها تنتقل بين فترات تاريخية من الحاضر إلى الماضي القريب مرورا بتاريخ قديم. كما تستخدم مشاهد ذاتية لوالدها قبل رحيله، فتصور في هذا الاتجاه رحلة معه إلى المتحف البريطاني في لندن.
تسجل المخرجة رحلة والدها المسن في قطار لندن، وقد بدا وحيدا ومنقطعا عن محيط الناس من حوله، كما تصوره في المتحف يتأمل لقى أثرية من وادي الرافدين، المكان الذي كان ملهما له طوال حياته، وكذلك مصدر عذاباته وكمده، كما تسجل لقاء يجمعه مع عراقيين منفيين من جيله في لندن، وتستذكر المجموعة أياما وأحداثا أصبحت بعيدة كثيرا، وغطتها حروب العراق المتعددة بطبقة من الحنين.
وقد تميزت المشاهد التي صورتها لوالدها بحميميتها وحزنها الثقيل، خاصة تلك التي تلتقط فيها الكاميرا اللوحات والتماثيل في بيت الأب، وجميعها لها علاقة بالعراق وتاريخه، فهو يعلق مثلا لوحة كبيرة لبابل القديمة في حديقة بيته الصغيرة. كما تسجل المخرجةُ في مشهد طويل الحركةَ الثقيلة لوالدها، وهو يبحث عن أغراض قديمة في غرفة بيته التي كانت ممتلئة بالحاجات القديمة التي ترتبط بالعراق.
رغم أن المخرجة ولدت وعاشت حياتها كلها خارج العراق، فإن هاجس البلد العربي كان يلاحقها في حياتها كلها، فنراها مثلا عندما كانت طفلة في عامها الثاني عشر تتحدث للتلفزيون الروسي عن أحلامها للمستقبل، عندما كانت عائلتها تعيش في روسيا.
تمر المخرجة في مقابلتها تلك على أحلامها المهنية، وعلى والدها وتاريخ بلده الذي يشغلها، وكيف تتمنى أن تعمل أعمالا فنية تليق به.
توفى الفنان المسرحي محسن السعدون في لندن عام 2014 مثل غيره من الفنانين والادباء غريبا وهو ممتلئ بالشوق العميق والكبير للعراق وجميع مدنه من اقصى الشمال للجنوب مرددا «انا عراقي ولاشئ اكثر» وهي كانت كلماته الأخيرة .