رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
بدرخان صوت لا يشيخ


المشاهدات 1224
تاريخ الإضافة 2026/04/26 - 9:23 PM
آخر تحديث 2026/04/27 - 3:39 PM

منذ أن رأيته آخر مرة أمام بوابة كلية التربية ابن رشد، بعد خروجه من السجن وتنفسه هواء الحرية أواخر التسعينيات، انقطعت عني أخباره. كان وجهه يومها يشع حيوية مشوبة بمرارة خفيفة، وشعور بالأسى، لكنه كان يحدثني بابتسامته الجميلة التي لم تفارقه في أصعب المواقف، ومنها حين كان موقوفاً في سجن ابي غريب، فيما كانت عيناه تقولان بصمت واضح، هذا آخر عهدي ببغداد والأصدقاء. 
واختفى بدرخان السندي، كطائر غريب يمضي في سماء بعيدة، لا يُرى ولا يُمسك. لكنه قبل أيام، فاجأني حضوره من جديد، لا بشخصه، بل بأثره، ثلاثة كتب وصلتني منه، مرسلة من دهوك، مقر إقامته المؤقت، بعد أن حمل روحه الشفيفة لتجوب العالم بلا مستقر نهائي، كأنه اختار أن يكون ابن المنافي الرحبة لا ابن المكان الواحد . ومن هذه الكتب، عادت الذاكرة إليّ دفعة واحدة، وعاد معها ذلك الصوت الذي لم ينقطع يوماً عن البحث والشعر والموسيقى والجمال. ليس من السهل أن نجمع في سيرة واحدة هذا التعدد الهادئ، شاعر، وباحث، ومؤلف، ومترجم، وأستاذ في العلوم النفسية والإنسانية،ومجرب في ميدان التعليم، وصاحب اختراع إنساني مبكر. لكن السندي، يقدم لنا نموذجاً نادراً للمثقف الذي لم يستهلكه الزمن، بل صقله، فصار أكثر صفاءً وعطاءً . ومن يقرأ سيرته يدرك أن هذا الرجل لم يأتِ إلى الثقافة من باب واحد . درس العلوم النفسية في جامعة ويلز البريطانية، وتعمق في فهم الإنسان لا بوصفه فرداً فحسب، بل بوصفه كائناً اجتماعياً وثقافياً. لذلك لم تكن كتاباته عن المجتمع الكردي مجرد وصف خارجي، بل قراءة من الداخل، تستند إلى خبرة علمية وذاكرة حية معاً.
في كتابه «الحكمة الكردية»، الذي يشكل خلاصة جهد طويل، يضع السندي يده على الأمثال كجوهر للثقافة الشعبية، لكنه لا يتعامل معها كزينة لغوية أو تراث جامد، بل كمرآة عميقة للعقل الجمعي، فالأمثال هنا ليست مجرد عبارات، بل نظام تفكير، وطريقة في فهم العالم، واختزال لتجارب قرون من الألم والفرح والحكمة. أما في ديوانه « مدينتي تقرر الرحيل»، فنحن أمام وجه آخر للرجل. شاعر يكتب بوجع شفيف، ويغني بصوت قادم من أعماق التجربة. ولأن صوته – كما يصفه من عرفه – عذب كـ « شلال من موسيقى»، فإن شعره لا يُقرأ فقط، بل يُسمع. غير أن أكثر ما يلفت في هذه السيرة هو ذلك البعد الإنساني العملي، حين حصل عام 1977 على براءة اختراع لتعليم المكفوفين القراءة والكتابة، وهنا لا يعود المثقف مجرد منتج للمعرفة، بل شريك في تخفيف معاناة الإنسان.
ربما لهذا يبدو حضوره اليوم، وهو في الثالثة والثمانين، امتداداً طبيعياً لعطاء لم ينقطع ولم يتأخر يوماً، فقد أثمر باكراً، وظل يثمر بثبات، كأنه نهر يعرف طريقه ولا يتردد. ومع كل مرحلة كان يضيف إلى تجربته عمقاً جديداً، حتى غدا هذا النضج الراهن خلاصة عمر كامل من العمل والمعرفة والإبداع.


تابعنا على
تصميم وتطوير