رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
زخيخة .. ذاكرة جزاع وجماليات باشلار وقلم الحديثي


المشاهدات 1167
تاريخ الإضافة 2026/04/26 - 9:29 PM
آخر تحديث 2026/04/27 - 3:39 PM

عن دار ومكتبة عدنان صدر حديثًا للدكتور طه جزاع كتاب (زَخيخة الخيال وذاكرة المكان / تطبيق لجماليات غاستون باشلار)، يقول عنه ليست زخيخة في هذا الكتاب مجرد قرية من قرى أعالي الفرات التابعة لناحية البغدادي في قضاء هيت بل هي صورة للمكان الأول الذي يسكن ذاكرة الإنسان ويظل حياً في وجدانه مهما ابتعدت به المسافات، فلكل منا زخيخته الخاصة، المكان الذي شهد بداياته الأولى، واحتفظ في أعماقه بصدى صوته وخطاه.
ولهذا في النص دعوة مفتوحة للكتاب والأدباء والروائيين كي يعود كل منهم إلى مكانه الأول، إلى البيت الذي بدأت فيه الحكاية، ليكتب عن طفولته وذكرياته، وعن جماليات المكان التي تبقى راسخة في الروح ولا تغادرها مهما ابتعدت بنا الحياة.
اعتمد الكاتب في هذه الدراسة  على كتاب :جماليات المكان : تأليف جاستون باشلار
وفي آولى قراءات هذا الكتاب كتب الاستاذ حسان الحديثي في صفحته الشخصية زخة صباحية عن كتاب زخيخة ، جاء فيها :  يرسم د. طه جزاع مشهداً مبكراً للفقد، ويتوقف الزمن عنده في صورة لذاكرة المكان بعقل طفل لم يبلغ التاسعة من العمر.
القصة تبدأ عنده حين أخذ وعداً من أخيه الاكبر بأنه سيحصل على طائر القطا حين يعود حماد الراعي مع اغنامه من البرية، ليتحقق الحلم ويصبح هذا الطائرُ الصديقَ الأقربَ، يتبعه كظله ويتحول الى جزء من يومه وصمته ولَعِبِه ونظرته الى العالم .
ولكنها تبدأ عندي حين بحث عن طائر القطا في الباحة والبستان وعند الساقية وحول البيت فلم يجده، فبدأت أولى لحظات الذاكرة برسم صورة المكان، ثم لتكتمل حين لم يجد من طائر القطا غير بقايا ريش متناثر وجناحين بلا جسد، بعد أن مزَّقه الصقر في غفلة منه، ثم أحكم عليه مخلبيه وحمله بعيداً الى اللا عودة. كانت تلك أول حادثة افتراس تقع عليها عينه، لم تداوِ جرحَها عشراتُ السنين، ولم تعالجْها بندقيةُ أخيه حين انتقم من الصقر وأنزله من عليائه بعدما عاث فساداً بطيور بستانهم في قرية زخيخة على شاطئ الفرات. بل لم تمحُ هذا الجرحَ مئاتُ قصص القتل والانتهاك والافتراس التي مرت عليه في الحياة، وبقيت مَظلَمةُ طائر القطا باديةَ الأثر في ذاكرته كندبة جرح بكتف محارب قديم، ظل يشكو منه رغم عودته حياً من الحرب، ورغم تعاقب الايام والاعوام.
وما وصْفُه لدفنِ ما تبقى من طائر القطا عند جذع النخلة ثم رشه بالماء، الا دليلاً على ذاكرة المكان وهي تصور قدرةَ العقل على الاحتفاظ بصورة القبر، وصوت البندقية، ورائحة الموت، ثم استدعائها واستعادتها وكأنها شيء مقدسٌ لا تخونه الايام ولا تجرفه تيارات الزمن.
ولعل د. جزاع نسي الوقت واليوم والشهر، بل وحتى السنة التي وقعت بها واقعة الصقر والقطا.
ولعله نسي أيضا الكلمات التي تمتم بها شاكياً الى أخيه الاكبر واصفاً حرقة قلبه الغض على فقده، شارحاً أول قصة للظلم، وأول مشهد للموت، وأول حكاية للرحيل. ولكنه لم ينس القبر الذي حوى قطاتَه، ولا النخلة التي جاورته، ولو عاد الى ذات المكان لقص الطريق واستدل على البستان ووصل النخلة دون جهد. وكذا لم يعلُ ضجيج الطلقات التي سمعها في حياته على صوت الطلقة التي أجهزت على الصقر القاتل. ولا كل الروائح التي طَعِمَها على رائحة الموت التي انتشرت في ذلك المكان. هذا ما يؤكده د. جزاع في كتابه (زخيخة الخيال وذاكرة المكان) فيصف الطفولة والمكان بأنها ذاكرة بلا تواريخ.  كما يعرج د. جزاع ويذكر الفرنسي غاستون باشلار الذي جمع بين العلم والخيال، وحوّل تأملاته الفلسفية في المادة والزمان إلى شعرٍ فكري يكشف عمق التجربة الإنسانية حيث يقول والكلام لباشلار: ان الطفولة ليست سيرة أحداث بل سيرة أمكنة، فالطفل لا يتذكر الايام، ولكنه يتذكر الزوايا والاصوات والروائح والمسافات القصيرة بين البيت والنهر، لذلك فإن الطفولة ذاكرة غير تاريخية لكنها شديدة العمق، وهي لا ترتب الماضي بل تؤسسه. نعم، هكذا يبني العقلُ مكاناً آمناً للصورة والصوت والرائحة، ويجعل من كل ذلك أثراً مستديماً يمكّنُه من الاحتفاظ بما اختزن من بيانات؛ صوراً واصواتاً وروائح،  لا يحجبُها عن صاحبها حاجبٌ ولا يمنعُهُ من الوصول اليها مانع، وهو ما نسميه بـ الذاكرة.
دكتورنا الحبيب اذهب أنّى اردت وافعل ما شئت، فلن تستطيع كل لحظات الجمال في الحياة، ان تنسيك صوت الطلقة الاولى، ولا مكان القبر، ولا رائحة موت القطاة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير