رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
اقتصاد الصناعات العسكرية يفرض إملاءاته في ظل حالة اللايقين


المشاهدات 1163
تاريخ الإضافة 2026/05/02 - 9:58 PM
آخر تحديث 2026/05/03 - 3:44 PM

الأرقام التي كشف عنها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) حول حجم الإنفاق العسكري العالمي لسنة 2025، تتجاوز دلالاتها وأهميتها مجرد أرقام جافة مرتبطة بإنفاق في مجال معين، بل إنها تتجاوز ذلك إلى مستويات تكشف عن طبيعة استعمال الثروات العالمية في تدبير الحاجيات الإنسانية للبشرية في العالم. وما إذا كانت الثروات العالمية الهائلة التي سخرتها الطبيعة لضمان عيش كريم بالتكافؤ والمساواة بين جميع البشر تقوم تساهم فعلا في تحقيق هذه الأهداف الكبيرة والنبيلة، أم أنها بعيدة عن تحقيق هذه الأهداف، وأنها تسخر في سبيل تحقيق غايات مخالفة ومناقضة؟
تقرير معهد ستوكهولم يسجل ارتفاعا كبيرا في حجم الإنفاق العسكري في العالم للسنة الحادية عشرة على التوالي، حيث بلغ حجم هذا الإنفاق في سنة 2025 ما قيمته 2900 دولار أمريكي. ويسجل مراقبون متخصصون أن نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بلغ أعلى مستوياته منذ عام 2009. ويكشف أن الدول الثلاث، وهي الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، استحوذت على أكثر من نصف هذا المبلغ بواقع 1480 مليار دولار، بما يمثل زيادة بنسبة حوالي 3 بالمائة عما كان عليه الأمر في سنة 2024 .ويعزو هذا التقرير الصادم أسباب هذا السخاء العالمي في الإنفاق العسكري إلى ارتفاع حدة النزاعات الدولية، خصوصا داخل القارة الأوروبية وفي مناطق متفرقة من أرجاء العالم، وإلى أجواء القلق واللايقين السائدة في العلاقات الدولية والاستعداد لما قد يترتب عنها من أخطار تتمثل أساسا في مواجهات مسلحة.أهمية هذه الأرقام والمبالغ المهولة تكمن في مقارنتها مع ما يرصده وينفقه العالم على تلبية احتياجات إنسانية ضرورية في الصحة والغذاء. و للوقوف على الهوة الشاسعة بين ما تتطلبه هذه الاحتياجات الإنسانية و ما تفرضه الحسابات المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية العسكرية ، نذكر فقط بأن برنامج الأغذية العالمية التابع للأمم المتحدة سبق له في بحر السنة الماضية أن أكد ،أن برامجه المتعلقة بالغذاء العالمي ،تتطلب تمويلا بقيمة لا تتجاوز حوالي 17 مليار دولار ،للتصدي لآفة المجاعة التي تطال أكثر من 343 مليون شخص في العالم ،بما يمثل أقل من 5 بالمائة مما قدمه السخاء العالمي لتمويل ما يدمر الحياة البشرية ، أو على الأقل ما يتسبب في معاناة فظيعة لهذه البشرية .هو نفس العالم الذي أثقل مسامعنا بشعارات محاربة المجاعة والهشاشة والفقر والجهل في العالم، هو نفسه الذي يبدي سخاء كبيرا في تمويل ما يناقض هذه الشعارات، وشحا فظيعا فيما يجسدها بما ينفع البشرية جمعاء.وهذه المقارنة البسيطة تقنع من لا يزال مترددا في تقييم الإرادة الدولية في تعاطيها مع الاحتياجات الإنسانية، بأن الأمر لا يخلو من منسوب عال من النفاق والالتفاف حول الحقيقة كما هي ساندة وليس كما تعرض كسلعة للبيع.هذه الاختلالات في تجسيد الإرادة المعلنة الهادفة إلى تجويد العيش الإنساني، وفي مقابل ذلك عدم التردد في إبداء سخاء كبير جدا في الإنفاق العسكري، تجد تفسيرها في وضعية اللايقين التي يوجد عليها العالم حاليا، مما فرض على قيادات حاكمة تفتقد إلى مقومات القيادة وإدارة المراحل الصعبة، إعطاء الأولوية لاحتمالات المواجهات العسكرية. وقد يكون الأمر غير ذلك، وأن ما يحدث لا يمكن إبعاده عن اقتصاد الصناعات الحربية التي تتحكم فيها شركات عملاقة والتي تحقق أرباحا مالية ضخمة في سوق اقتصادي يرتكز على تجارة أشكال وأنواع مدمرة من الأسلحة التي تحقق رواجها الحقيقي المذر للعائدات المالية الهائلة في النزاعات والحروب والأزمات المحتدمة.


تابعنا على
تصميم وتطوير