
في خضمّ ما يشهده الوسط الرياضي من جدلٍ متواصل، يبرز سؤال جوهري: لماذا نخشى مواجهة الحقيقة كما هي؟ ولماذا نُحمّل الوقائع أكثر مما تحتمل، بدل التعامل معها كحقائق مجردة تُقرأ وتُطوى صفحاتها تباعاً؟ إن ما طُرح مؤخراً في الشأن الرياضي، ولا سيما القضايا التي بلغت أروقة المحاكم الرياضية وغير الرياضية سواء المحلية أم الدولية، لم يكن في جوهره سوى مسار قانوني انتهى بقرارات واجبة القبول، والقبول يعني التسليم، لا إعادة فتح الملفات بذات الذهنية التي صنعت الأزمة.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في النتائج بقدر ما تكمن في طبيعة المجتمع الرياضي ذاته ، هذا المجتمع الذي يبدو عصيّ الفهم لمن لم يعايشه عن قرب. فهو كيان معقّد، تحكمه شبكة من العلاقات والتقاطعات، وتؤثر فيه الميول والانتماءات أكثر مما تؤثر فيه معايير الكفاءة الصرفة. وللأسف، أصبحت بعض الممارسات المرفوضة في بيئات أخرى تجد لها مبررات هنا، طالما أنها تخدم دائرة النفوذ أو تحقق غاية آنية.
إن فهم هذا الوسط لا يتحقق بالتحليل السطحي أو بالأحكام المسبقة، بل يتطلب قراءة دقيقة لطبيعة أفراده: كيف يفكرون؟ ما الذي يقنعهم؟ وعلى أي أسس يُقيمون الأمور؟ فحتى بعض المختصين الذين يفترض أنهم مرجعيات في القوانين واللوائح، كشفت التجربة عن ثغرات في بنائهم الفكري والمهني، ما ألقى بظلال من الشك على قدرتهم في تقديم المعالجات الرصينة.
لقد صُدم كثيرون عند احتكاكهم بالمجتمع الرياضي، ليس لأنهم أكثر كفاءة أو نزاهة، بل لأنهم ببساطة لم يفهموا قواعد هذا العالم. إنه مجتمع بنى لنفسه منظومة خاصة من القيم والأعراف، ومن يدخله دون إدراك تلك الخصوصية يجد نفسه خارج السياق. وفي المقابل، صُدم هذا المجتمع أيضاً ببعض الوافدين سواء من النخب الثقافية والمهنية أم من جهات اخرى، الذين لم يسعوا لفهمه بقدر ما حاولوا فرض رؤاهم عليه، فكان الناتج حواراً بلا جدوى، تبادل فيه الطرفان الاتهامات دون الوصول إلى نقطة التقاء.
ورغم كل ذلك، يبقى المجتمع الرياضي واحداً من أغنى المجتمعات من حيث الإمكانات البشرية والتجارب المتراكمة. إنه، بحق، مغارة الكنز العظيم ومنجم للطاقات. ومن يدخله متأخراً عليه أن يدرك أنه أمام فرصة استثنائية، لكنها مشروطة بجهد حقيقي لفهم هذا العالم والتفاعل معه بواقعية، لا بفرض القوالب الجاهزة عليه.
إن الطريق إلى إصلاح هذا الوسط لا يمر عبر النقد المجرد أو الاصطفافات الضيقة، بل عبر فهم عميق، وإرادة مشتركة لتطويره قانونياً وإدارياً ومالياً. وعندها فقط، لن تكون المصلحة مشتركة فحسب، بل مضاعفة، تعود بالنفع على الجميع، وتعيد للرياضة دورها الحقيقي كمساحة للتنافس الشريف والبناء المجتمعي.