
يفتح «هجرة» بابًا جديدًا في مسار السينما العراقية المعاصرة، عبر حكاية هادئة في ظاهرها، لكنها مشغولة بأسئلة ثقيلة عن الذاكرة والأصل والانتماء. الفيلم من إخراج محمد الدراجي، ويمتد إلى ساعة و49 دقيقة، وقد بدأ عرضه في صالات السينما العراقية يوم 30 نيسان 2026. ومن خلال رحلة تجمع جنة، الفتاة المراهقة القادمة من أطراف الصحراء، ومريم، الأرملة المثقلة بالذاكرة، يتحرك العمل في مساحة درامية تتداخل فيها الرحلة الجغرافية مع رحلة داخلية أعمق. هنا لا تبدو الصحراء مجرد مكان للأحداث، بل جزءًا من معناها.
تدور الحكاية حول جنة، الفتاة المراهقة التي تعيش عند أطراف الصحراء، ومريم الأرملة التي ترافقها في رحلة عائلية إلى الجنوب العراقي. غير أن الطريق هنا لا يبقى طريقًا جغرافيًا فقط، بل يتحول تدريجيًا إلى مساحة مكشوفة للأسئلة: ما الذي تصنعه الذاكرة بالإنسان؟ وكيف يصبح الماضي عبئًا لا يُرى، لكنه يواصل قيادة الخطوات؟ وهل تكون العودة إلى المكان عودة فعلية، أم مواجهة متأخرة مع ما لم نستطع فهمه في وقته؟ من هذه الأسئلة يبني «هجرة» عالمه، لا عبر الدراما العالية أو الانفعال المباشر، بل عبر حكاية صغيرة في ظاهرها، مفتوحة على معنى أكبر. ما يميز الفيلم أنه لا يتعامل مع الصحراء كخلفية جميلة أو عنصر بصري محايد، بل يجعلها جزءًا من بنية المعنى. فالاتساع هنا لا يمنح الحرية وحدها، بل يكشف الوحدة أيضًا، والفراغ لا يبدو فارغًا تمامًا، بل ممتلئًا بما لا تستطيع الشخصيات قوله. وكلما كبر المكان حول جنة ومريم، ازداد الشعور بأن الرحلة الحقيقية تجري في الداخل، حيث تتقاطع الخسارة مع الذاكرة، ويتحول الصمت إلى لغة ثانية. ومن هذه الزاوية، تبدو الصحراء في الفيلم مرآة قاسية، لا تمنح أجوبة سهلة، لكنها تدفع الشخصيات إلى الإصغاء لما ظل مؤجلًا. تشكل العلاقة بين جنة ومريم مركز الفيلم الإنساني. فهما لا تمثلان شخصيتين في رحلة واحدة فقط، بل جيلين مختلفين في النظر إلى الماضي والمستقبل. مريم تحمل ذاكرة أثقل، وتدرك أن الماضي لا يغادر بسهولة، حتى حين تتغير الأمكنة أو يختفي أصحابها. أما جنة، فتتحرك بقلق البداية، وبحاجة واضحة إلى أن تجد مكانها داخل حكاية أكبر منها. ومن خلال هذه العلاقة، يفتح «هجرة» مساحة للتأمل في العائلة، وفي الجروح التي تنتقل بين الأجيال من دون أن تُقال، وفي الروابط الخفية التي تصل الإنسان بمن سبقوه، حتى لو لم يعرفهم تمامًا. فنيًا، يواصل محمد الدراجي في «هجرة» انشغاله بالعراق، لكن بعيدًا عن الخطاب المباشر أو النبرة العالية. فالعراق هنا لا يظهر كعنوان سياسي أو خلفية اجتماعية جاهزة، بل كذاكرة تتحرك داخل المكان والوجوه. وتمنح الصورة الصحراوية، والإيقاع المتأني، والحضور النسائي في مركز الحكاية، الفيلم شخصيته الخاصة. فهو عمل يثق باللقطة والنظرة والمسافة، ولا يستعجل شرح ما تستطيع الصورة أن تقوله. لذلك يحتاج إلى مشاهد مستعد للإنصات، لا إلى متفرج يبحث عن الأحداث المتلاحقة وحدها. ومع ذلك، فإن هذا الاختيار الفني قد يجعل الفيلم بعيدًا عن ذائقة من يبحثون عن دراما سريعة أو تصعيد واضح. فـ«هجرة» يراهن على البطء المحسوب، وعلى التراكم الشعوري، وعلى المعنى الذي يتشكل شيئًا فشيئًا. وقد يشعر بعض المشاهدين أن العمل أكثر هدوءًا مما اعتادوه، لكن هذا الهدوء ليس فراغًا، بل أسلوب مقصود. الفيلم لا يدفع المتفرج إلى التأثر بالقوة، بل يدعوه إلى الاقتراب من الوجوه، ومن التفاصيل الصغيرة، ومن أثر الصمت في النفس قبل أن يتحول إلى كلام.
مهرجانيًا، يحمل «هجرة» قيمة خاصة داخل مسار السينما العراقية الحديثة، إذ يبدو امتدادًا لنوع من الأفلام التي تحاول تقديم العراق إلى العالم من خلال الحكاية الإنسانية، لا من خلال الصورة النمطية أو الخبر العابر. وهو بذلك ينتمي إلى سينما عراقية تبحث عن ترميم علاقتها بالمكان والذاكرة، وعن لغة قادرة على مخاطبة الداخل والخارج في الوقت نفسه. أما حضوره في المحافل والبرامج السينمائية، فيؤكد أن العمل لا يتحرك في حدود العرض المحلي وحده، بل يدخل ضمن مسار أوسع تسعى من خلاله السينما العراقية إلى تثبيت صوتها في المشهد الدولي.
في المجمل، يبدو «هجرة» فيلمًا عن الطريق، لكنه في العمق فيلم عن الأصل؛ عن المسافة بين ما نغادره وما يظل يسكننا، وعن الذاكرة حين تتحول إلى أرض لا تقل اتساعًا عن الصحراء نفسها. هو عمل يربح حين يترك الصورة تتنفس، وحين يجعل من العلاقة بين امرأتين بابًا لأسئلة أكبر عن العائلة والانتماء والفقد. وقد لا يكون فيلمًا سهلًا أو سريع الأثر، لكنه يملك ما هو أندر: قدرة هادئة على تحويل الرحلة الخارجية إلى انعكاس لرحلة أعمق. هنا لا تكون الهجرة من مكان إلى آخر فقط، بل من الصمت إلى الاعتراف، ومن الضياع إلى محاولة استعادة المعنى.