
في العراق، لا تحتاج إلى إعلان رسمي لحالة الطوارئ، فهي قائمة منذ زمنٍ طويل، تسري في الهواء كما الغبار، وتجلس على الأرصفة كما المتعبين. كل شيء هنا قابل لأن يتحول إلى تهديد، حتى الأشياء البسيطة التي يفترض أن تكون عادية، الطريق، الهاتف، الزيارة، السؤال. الحياة لا تُعاش كمسار، بل كاختبار يومي للنجاة.
الإنسان في هذا المناخ لا يفكر كما يفكر في بلدان هادئة. هناك، العقل يخطط، يحلل، يربط بين الأسباب والنتائج. أما هنا، فالعقل يعمل كجهاز إنذار، لا كأداة فهم. يلتقط الخطر قبل أن يفهمه، ويردّ عليه قبل أن يفسره. لهذا تبدو ردود الأفعال حادة، سريعة، وأحياناً بلا منطق واضح. ليست المشكلة في نقص الذكاء، بل في فائض الخوف.
الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز وصف الإنسان في حالته البدائية بأنه يعيش في خوف دائم، حيث يكون “الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان”. هذه ليست استعارة بعيدة عن الواقع العراقي، بل وصف دقيق لما يحدث حين تتآكل الثقة، ويصبح كل فرد مشروع تهديد محتمل. عندها لا تعود العلاقات قائمة على التعاون، بل على الحذر. ومع تكرار الأزمات، يتكوّن نمط نفسي خاص، يمكن تسميته بعقل الطوارئ. هذا العقل لا يهتم بالمستقبل، لأنه لا يثق بوجوده أصلاً. يعيش في الحاضر الضيق، يقتنص فرص النجاة، ويتجنب المخاطر. النجاح لا يُقاس بما تحقق، بل بما تم تفاديه. أن تعود إلى بيتك سالماً، هذا إنجاز. أن يمر اليوم بلا خسائر، هذا انتصار.
لكن هذا النمط له ثمن باهظ. حين يعتاد الإنسان على تجنب الخطر فقط، يفقد قدرته على المبادرة. يصبح بارعاً في الهروب، لكنه عاجز عن البناء. يشبه عدّاءً لا يعرف إلا الركض، حتى لو لم يعد هناك من يطارده. وهنا تكمن المفارقة، الخطر لا يختفي حين يختفي سببه، بل يبقى في الداخل. المؤرخ اللبناني كمال الصليبي كتب مرة أن المجتمعات التي تعيش صراعات طويلة تعيد إنتاج أزماتها حتى في غياب أسبابها المباشرة. وهذا ما نراه بوضوح، الخوف يتحول إلى ثقافة، والقلق إلى عادة، والريبة إلى أسلوب حياة. الناس لا يحتاجون إلى تهديد حقيقي كي يتصرفوا كأنهم مهددون. في الشارع، تتجلى هذه الحالة بوضوح. أبسط احتكاك يمكن أن يتحول إلى نزاع، ليس لأن القضية كبيرة، بل لأن الأعصاب مشدودة دائماً. كل شخص يحمل داخله تاريخاً من التوتر، ينتظر لحظة الانفجار. حتى الضحك نفسه يبدو حذراً، كأنه يطلب إذناً بالبقاء. الأخطر من ذلك، أن هذا الواقع يُنتج مفهوماً مشوهاً للاستقرار. الاستقرار لم يعد مرتبطاً بالعدالة أو النظام، بل بغياب الانفجار فقط. أن يكون الوضع سيئاً لكن ثابتاً، هذا يُعتبر مقبولاً. وهنا يتشكل نوع من الرضا القلق، قبول مشروط بالواقع، لا لأنه جيد، بل لأنه مألوف.
الكاتب الألماني إريك فروم تحدث عن “الهروب من الحرية”، حين يفضّل الإنسان الأمان على الاستقلال، حتى لو كان هذا الأمان مقيّداً. وهذا ما يحدث هنا، الحرية تبدو فكرة مرهقة، تتطلب شجاعة وتنظيماً، بينما الأمان، حتى لو كان ناقصاً، يبدو خياراً أسهل. ومع الوقت، تتغير اللغة أيضاً. كلمات مثل الكرامة، العدالة، المستقبل، تفقد بريقها، وتُستبدل بمفردات أكثر تواضعاً، الراتب، الكهرباء، الماء، السلامة. ليست هذه مطالب صغيرة، لكنها حين تصبح السقف الأعلى، فإن شيئاً عميقاً يكون قد انكسر.
المشهد كله يبدو كأنه إدارة طويلة للأزمة، لا محاولة لحلها. الأزمات تُرحّل، لا تُنهى. تُنقل من مكان إلى آخر، من شكل إلى آخر، حتى يبقى المجتمع في حالة إنهاك دائم. إنهاك لا يقتل مباشرة، لكنه يضعف القدرة على المقاومة.
ومع ذلك، ليس كل شيء مظلماً. لأن هذا الإنسان نفسه، الذي تعلم كيف ينجو، يملك أيضاً قدرة كامنة على التغيير. من يعرف طرق الهروب، يمكنه أن يعرف طريق الخروج. الفرق فقط في اللحظة التي يقرر فيها أن النجاة وحدها لا تكفي.
حينها، قد يبدأ السؤال الحقيقي، ليس كيف ننجو اليوم، بل لماذا نعيش هكذا أصلاً. وهذا السؤال، رغم بساطته، هو أخطر من كل الأجوبة.