
الفنان الرائد المسرحي كاظم الزيدي يمتلك محبة لسنوات عمله بالمسرح العراقي، وتكاد تكون حياة مختلفة نوعاً ما عن أبناء من عاصروه، إذ إن والده لم يرفض لولده أن يشتغل بمجال الفن لأنه هو الآخر فنان معروف في الوسط الفني آنذاك ، كان فناناً وإدارياً مميزاً، فضلاً عن كتابة السيناريو والإخراج السينمائي...
وكاظم فالح عبد العزيز الزيدي رجل أبدع في المسرح والاذاعة والتلفزيون والسينما ممثلا واداريا نموذجيا ، والده كان مخرجاً مسرحياً وسينمائياً وله اربعة افلام تعد من البدايات في السينما العراقية، ولد في بغداد وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها. فيما كانت أولى الأعمال التي شارك فيها مسرحية بعنوان ( جسر العدو )من تأليف سعدون العبيدي وإخراج عبد الخالق السام.
عمل كاظم الزيدي مع والده مساعد مصور وكان يعمل بمعيته دائما اخوه الراحل د. مرسل الزيدي الذي أصبح عميداً لأكاديمية الفنون لسنوات عديدة، كذلك كان فاعلا في النشاط المدرسي ثم في فرقة مسرح ١٤ تموز في مسلسلها المشهور (تحت موس الحلاق) مع بعض التمثيليات والسهرات التلفزيونية مع الفنانين الراحلين خليل شوقي وخليل الرفاعي ثم انتقل الى المسرح الشعبي.
هذه الحصيلة من ابداعات والده الراحل جعلته ينظر الى هذا المجال الواسع المدهش محاولاً فهمه والغور فيه، فبدأ معه في اولى الخطوات في استوديو بغداد بأول فيلم - كمشاهد - (فتنة وحسن) وكمساعد للماكيير الراحل فوزي الجنابي بعدها في فيلم (الدكتور حسن) للمخرج محمد منير آل ياسين كمساعد مصور للفنان عبد الله سلمان، فضلاً عن لعب أحد الأدوار (اوراق الخريف) لحكمت لبيب وتشكلت خطواته الاولى في عالم المسرح مع مسرحية (كيدهن عظيم) من اخراج والده الفنان فالح الزيدي في إطار المسرح المدرسي.. وبعد مسيرة مع النشاط المدرسي انتقل للعمل مع الفرق المسرحية الاهلية وفي مقدمتها فرقة مسرح ١٤ تموز في مسلسلها المشهور (تحت موس الحلاق) وبقية اعمالها المسرحية والتلفزيونية .. وقبلها كان يعمل مع الفنانين القديرين خليل شوقي وخليل الرفاعي عندما كانوا في دائرة السكك الحديد حيث قدم معهما بعض التمثيليات التلفزيونية القصيرة، ومع مسرح سمير أميس الذي قدم أجمل السهرات التلفزيونية آنذاك، ومنها: (الساعة السادسة والعمة كرستي) و(نبيل ونبيلة) و(اصدقاء) و(القناع) واخرجها جميعا الراحل كمال عاكف وفيها عمل ممثلاً او مديراً ، وبعدها انتقل الى فرقة المسرح الفني الحديث، وتبوأ عدة مناصب منها مدير انتاج في شركة بابل، ومدير مسرح المنصور، ومدير مسرح الرشيد، ومدير منتدى الشباب، وادارة عامة لمجمع النجاح، وعضو فرقة النجاح ١٩٨٨ .
استمر هكذا الراحل كاظم الزيدي في فرقة المسرح الفني الحديث الى ان غادر ليصبح مدير انتاج في شركة بابل ثم عمل مع الفنان جعفر السعدي في ادارة مسرح المنصور في اول انتاجه في مسرحية (الحصان) للفنانة العربية سناء جميل ثم مديرا لمسرح الرشيد لغاية ١٩٨٧ وترك العمل مرغما.
ومع اكتسابه الخبرات في مجال الادارة والانتاج، إذ لم يهدأ له بال في البحث عن حلمه القديم حيث التقى صديقين مهمين وهما المخرج القدير محسن العلي والمنتج عوني محمد حسين وهما يشاطرانه في الاتجاه والطموح في تحقيق حلمهم القديم في تأسيس مركز فني جامع لكل الانشطة الفنية في المسرح والسينما والتلفزيون، ونتيجة البحث والدراسة العميقة استقر الحال على اختيار موقع سينما روكسي وسينما ريكس وجعلهما موقعا متميزا حاويا على جميع الانشطة الفنية.
إنه عمل صعب لاشك في ذلك من حيث الكلفة العالية، ولكن ارادة هؤلاء الثلاثة الافذاذ مع الصبر والتضحية في كل شيء ابتدأ من القروض الكبيرة مرورا بالمنغصات الكثيرة الى حد بيع اغراضهم الشخصية وحرموا أنفسهم من رفاهية العيش، والغريب في الامر انهم أصروا ان يخرج عملهم هذا على آخر طراز وهي سابقة تحسب لهم في تأسيس هكذا مجمع في القطاع الخاص ينافس مسارح الحكومة الحديثة، فقد اهتموا بأدق التفاصيل من حيث تأثيث المسرح وبالأخص خشبة المسرح بما تحتويه من ستائر وهيراسات وعمق في المساحة لتكون صالحة لكل انواع العروض، فضلا عن اجهزة الانارة والصوت الحديثة، كذلك القاعة الى حد الاهتمام بالكرسي المريح للمشاهد والشعور بالابهة والحالة المخملية كذلك الاقتدار مما شجع العوائل على ارتياد هذا المسرح بأمان واحترام واناقة فائقة بملابسهم نتيجة نظافة المكان والانضباط في القاعة الى حد الذي يجعل اخراج بعض (المسيئين) من الجمهور اثناء العرض.
لم تتوقف مسيرة الفنان الراحل كاظم الزيدي عند هذا الحد، فأنتمى الى فرقة المسرح الفني الحديث التي شارك في معظم اعمالها مديراً للمسرح او مديرا للإنتاج، ومنها «صورة جديدة ونفوس وبغداد الازل والخان واضواء على حياة يومية»، وجميعها للمخرج قاسم محمد، ومع الفرقة القومية للتمثيل عمل في «مسرحيات النسر له رأسان وحلاق اشبيلية وتاجر البندقية والحيوانات الزجاجية وانتيجونا» للمخرج سامي عبدالحميد، فضلا عن اعمال اخرى للمخرجين ابراهيم وبدري حسون فريد وغيرهم، لينتقل بعدها للعمل في شركة بابل للإنتاج السينمائي والتلفزيوني مديراً للإنتاج ومن ثم مديرا للإعلان التجاري..
وعمل بعد ذلك بمعية الفنان القدير الراحل جعفر السعدي بإدارة مسرح المنصور ثم مدير المسرح الرشيد.. وفي هذه المرحلة أسهم اسهامة فاعلة في انجاز عشرات الاعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية التي انتجتها دائرة السينما والمسرح وشركة بابل .
ومع مسرح النجاح وبمعية المخرج الراحل الكبير الفنان محسن العلي، عمل بعدة اعمال مسرحية جادة انتجتها فرقة مسرح النجاح التي تم تأسيسها فيما بعد لتواصل تقديم هذا النمط من الدراما المسرحية الناجحة مع اعمال مسرحية جادة استقطبت اعجاب المعنيين بالمسرح وفرضت حضورها في المشهد المسرحي العراقي والعربي.
كان الراحل الزيدي عصـامـيـاً وملتزماً ووفيـاً للمبادئ والقيم والاخلاق الفنية العالمية التي تربى عليها ونهلها سواء داخل عائلته الفنية من والده المخرج القدير فالح الزيدي ام من الرعيل الاول من فناني العراق الكبار الذين ارسوا دعائم العملية الابداعية الفنية الرصينة، وفي شهادة نادرة قال عنه الفنان القدير يوسف العاني: كان دقيق في مواعيد العمل دقيق في توصيل المعلومة المطلوبة الى الممثل وهو بعد هذا وذاك لا يفرق بين ممثل او ممثلة مهما كان موقعهما فيها فهو قد تعلم وطبق صيغة ان الكبار في المسرح يجب ان يكونوا القدوة .
لكن غالبا ما يخفي النقاد دور الإدارة المسرحية وادارة الانتاج في حصيلة العملية الفنية للعرض المسرحي. كما يحرم من الجوائز والتكريم والتقييم رغم الجهد الكبير المبذول وعلى الباحث المتخصص ان يدرك ان أي عمل ناجح ومؤثر جماليا وفكريا لابد من يكون هناك حالة من الانضباط الاداري يقوده شخص يسمى (مدير المسرح) ابتدأ من صغائر الامور وصولا الى اعقد حلقة في العملية الفنية فضلا عن مسؤوليته عن الفنيين الاخرين كالماكير ومنفذ الانارة والملابس والاكسسوار وحل الاشكالات الاخرى..وهذا يحدث غالبا في العروض الكبيرة التي تمتد أشهر او سنوات، إذ ان المخرج يسلم كل ما انجزه بصيغته النهائية الى مدير المسرح وهو غير ملزم بالحضور اليومي اثناء العرض وستكون مهمة مدير المسرح أكبر عندما يضم العرض مجاميع من الراقصين والموسيقيين والكومبارس اضافة الى الممثلين الاساسيين.. حقا انه جهد كبير ويحتاج الى رجل مؤهل للإدارة يتمتع بقوة الشخصية والكاريزما في التأثير وضبط العمل، فاختص بهذا الفنان كاظم الزيدي الذي يتسابق مع المخرجين باختياره لهم كمدير للمسرح وهو بدوره ينسق مع الَمخرج منذ اول يوم قراءة للعمل ويثبت كل ما هو مطل منه، وفضلا عن فتح سجل خاص للعمل يدون عليه غيابات العاملين وتأخرهم.. كما يثبت الحركة وملاحظات المخرج وتوجيهاته بالتفصيل، ويقدمه على شكل تقرير يومي ليطلع عليه المخرج ليثبت توقيعه عليه مع انه هادئ الطبع ويكاد لا يسمع صوته لكنه كان عادلا لا يهادن أحدا في المحاسبة مهما يكن موقعه، فضلا عن الدقة في العمل الاداري واحترام مواعيد العرض وارساء تقاليد راسخة في العمل بكل ما يتطلب من رصانة ودعم لوجستي فضلا عن البنى التحتية والتصدي لأي حالة طارئة قد تحدث في (الكهرباء والماء او الحريق وحتى صيدلية صغيرة) هذا بالإضافة الى نوعية العروض الشعبية ذات الاهداف الاجتماعية التوعوية وغير المخدشة للمشاعر.
من قوة شخصيته والتزامه بالتمرين المسرحي وهو ما عرف به، فمرة تأخر الراحل الكبير يوسف العاني عن التمرين -هذا ما يذكر الفنان القدير كافي لازم وهو ممثل وعضوا في فرقة الفن الحديث في احدى مقالاته - فمسك هو النص لكي يستمر التمرين... حينها جاء يوسف العاني وحاسبه امام الجميع وسأله عن اسباب التأخير ودون عليه ملاحظة في السجل بالرغم من انه رئيس الفرقة .. وعندما حان وقت الاستراحة ذهب اليه يوسف العاني، وقال له ( يا رجل على اقل تقدير كان تأخذني جانبا وتحاسبني وليس امام اعضاء الفرقة سيما هناك شباب جدد... أنسيت انا رئيس الفرقة)..
فقال كاظم الزيدي له (عذرا استاذ انا تقصدت ان احاسبك امام الجميع لكي يدرك الاخرون بأني لا اهادن ولا اجامل حتى رئيس الفرقة، وان كان يوسف العاني نفسه لكي يلتزم الجميع).. فشكره رئيس الفرقة وأثنى عليه ولحرصه في العمل ولم يمنعه ذلك من توجيه اعلان عن المتأخرين والغياب وتعليقها في لوحة إعلانات الفرقة.
وعندما يتصاعد العمل ويقترب من العرض هنا يصنف الممثلين كل حسب دوره وتدوين ملابسه واكسسواره.. ويسلمها الى مسؤول الملابس الذي غالبا ما يكون الفنان نبيل كوني، كما يبلغ الماكيير الراحل يوسف سلمان عن حاجة كل ممثل وما يجب فعله حسب دوره كذلك منفذ الموسيقى والانارة بالتنسيق مع المخرج .
وبقى كاظم الزيدي يقضي لحظات وساعات في أروقة مسرح النجاح الذي يحبه وعشقه فيما كان جميع العاملين من فنانين وممثلين وإداريين يتبعون خطاه .. كاظم الزيدي فنان عاش ايامه في مع المسرح مبتدأ بمسيرة مليئة حبا واخلاصا لفنه السينمائي والتلفزيوني والمسرحي، عاش هذا الفنان المتألق صامتا متعبا بل متوقعا في هاجسه لحظات عنف او قسوة ممن لا يحبون الحياة وعيناه تشاهد الظلم والظلام، واحشائه محترقة من ظلم ما يشاهده من قسوة الزمان، ولكنه كان يقابل كل هذا برحابة صدر وابتسامة امل بالمستقبل مرسومة على خديه، ومتفائلا بأن الايام القادمة سيتمخض عنها ظهور بطل قوي وفارس يهز رماحه باتجاه اعلان النصر ومناصرة قضية الانسان في العراق، كان يملك من الامل بالتغيير لحياة افضل، وهذا ما كان يؤكد عليه مع قرارة نفسه من اجل ان يعيش الاخرون حياة مليئة بسعادة وعيشا رغيدا، إلا ان في بعض الاحيان تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .
أما قصة استشهاد الفنان كاظم الزيدي فهي واحدة من الحكاية المؤلمة التي تجسد ضريبة الفن والجمال في زمن العنف الذي مر به العراق.. لم يكن الزيدي مجرد ممثل، بل كان طاقة إبداعية مسكونة بحب المسرح والحياة.
في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2007، وفي ذروة العنف الطائفي والعمليات الإرهابية التي ضربت العاصمة بغداد، كان كاظم الزيدي يواصل عمله الفني رغم كل المخاطر.. كان المسرح بالنسبة له هو الملاذ والمقاومة الحقيقية ضد القبح.. بيدو أن ايادي الارهاب القذرة لن تتوقف عن زرع كل انواع الموت والدمار والخراب بين العراقيين بكل اطيافهم ومكوناتهم وشرائحهم، وفي المقدمة منهم الفنانون والمبدعون، إذ لم تستثنهم دوامة العنف فحصدت ارواح كثيرين منهم، كان الفنان كاظم الزيدي الذي فارق الحياة في اخر تفجير ارهابي في ساحة الطيران ببغداد فبترت ساقاه وعند نقله الى مستشفى الواسطي سرعان ما فارق الحياة وعيناه كانتا لا تزالان ترنوان بأمل العيش والعودة مجدداً الى ميدان الابداع الفني الذي تشربه منذ نعومة اظافره، حيث كانت حكاية الزيدي مع الفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص، طويلة ومتشعبة فقد نشأ في كنف والد يحمل صفات الفنان الشامل ألا وهو الفنان القدير الراحل (فالح الزيدي) الذي كان رحمه الله موسيقياً جيداً وممثلاً جيداً ومغنياً وشاعراً ينظم الاغاني وكاتب سيناريو ومخرج سينما فيما بعد.
وقع الانفجار وسط بغداد، وهي المنطقة التي كانت تعج بالحياة والمثقفين والفنانين، لكنها كانت أيضاً هدفاً متكرراً للهجمات الإرهابية.. كان الزيدي متواجداً في المنطقة حين انفجرت سيارة مفخخة استهدفت المدنيين العزل. وبحسب الروايات، فقد كان في طريقه أو عائداً من عمله الفني، حيث فارق الحياة متأثراً بجراحه نتيجة شدة الانفجار.. كان الوقع أليماً كون استشهاده لم يكن مجرد غياب لشخص، بل كان صدمة للوسط الفني العراقي، كونه كان يمثل جيل الشباب الطامح للتغيير والجمال وسط الركام.
ترك رحيله فراغاً كبيراً في دائرة السينما والمسرح، وأقيمت له مجالس عزاء وتأبين استذكر فيها رفاقه إبداعه وشجاعته.. قصته تذكرنا دائماً بأن الإرهاب لا يستهدف الأجساد فقط، بل يحاول اغتيال الوعي والجمال الذي يمثله الفنانون.
لقد عرف الفنان كاظم الزيدي فنانا دؤوبا ومخلصا ومتواضعا، وبالرغم من نجوميته عند الوسط الفني والإعلامي فبقي ملازما لتواضعه ومحبا لخلق علاقات انسانية والمبنية على المودة وحب الاخرين، كان يحب عمله في المسرح والتلفزيون، فما زالت ابتسامته والتي كشفت عن مرارة القسوة التي كان يعانيها من تلك الاوضاع التي لم تكن تخدم الانسان، وبحسرة كان يخبر الاخرين (انا منهم) بأنه يعيش على مضض وانا انصت اليه وافكر بكلماته وبأحاسيسه المتعطشة للحياة وللسعادة، هذا الانسان المليء محبة واخلاصاً للعراق ولشعبه وهو يحمل في قلبه محبة لا تشوبها الفرقة ولا التفرقة ما بين اطيافه حتى إني بعد فترة من مرافقته بمسرح النجاح الذي كنت ارتاده اخبرني انه اشد ما كان يؤلمه هو غياب الانصاف .
إن التركيز على الجانب الفني والإنساني في فواجع الكرادة يكشف كيف يتحول الألم إلى نص مسرحي، وكيف يرفض المبدع أن يمر الموت دون أن يترك خلفه «جمالاً مرّاً».. الكرادة لم تكن هدفاً للسيارات المفخخة فحسب، بل كانت هدفاً لأنها كانت «رئة الجمال» في بغداد.
رحم الله ابا اركان الذي كان في جعبته الكثير من الاحلام والمشاريع الفنية التي تصب وتسهم في بناء العراق الجديد في وقت شهد فيه الوسط الفني بعض الاضطراب والتشتت انعكاساً للأوضاع الامنية المضطربة التي تسبب فيها اعداء الحب والحرية والجمال الذين اغتالوا هذه الطاقة العراقية المبدعة الاصيلة وهي لما تزل في قمة عطائها وعنفوانها .