
أعادني كتاب «سيرة طيار الملوك» الذي أعدته وحررته الزميلة المثابرة رجاء حميد رشيد إلى لقاء جرى مصادفة مع العقيد الطيار حفظي عزيز أواخر سني عمره، فقد التقيته وهو يستعين بشاب يقوده ببطء في أروقة حفل عسكري. عرفني بنفسه ثم مد يده بصعوبة إلى جيب سترته ليخرج محفظة نقود صغيرة، وفي باطنها جيب شفاف تظهر من خلاله صورة ملازم بملابس طيار عسكري وهو في عز شبابه وقوته. قال لي وهو يريني الصورة : هذا هو أنا .. هل تصدق؟ ثم اغرورقت عيناه بالدموع ! . يومها لم أفهم تماماً سر تلك الرعشة التي كانت تختلط بصوته، ولا سر تعلقه بصورة صغيرة احتفظ بها قرب قلبه عشرات السنين، لكنني وأنا أقرأ هذا الكتاب أدركت أن الرجل لم يكن ينظر إلى صورة شخصية فحسب، بل كان ينظر إلى زمن كامل مضى، ويتذكر يوم اختياره طياراً خاصاً للملك غازي سنة 1936، وآخر مرة طار فيها برفقة الملك، قبل أن يُنتخب كطيار خاص للوصي عبر الإله.
هذا الكتاب ليس مجرد مذكرات طيار خدم في القوة الجوية الملكية العراقية، بل هو وثيقة عراقية نادرة كتبت بالحبر والعرق والحنين، ومنذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أنه لا يقرأ سيرة فرد، وإنما يقرأ سيرة وطن كان يتلمس خطواته الأولى نحو الحداثة، فحفظي عزيز لم يكن مجرد طيار تعلم في إنكلترا وعاد ليقود الطائرات، بل كان واحداً من أولئك الرواد الذين حملوا العراق من زمن الخيل والبنادق القديمة إلى زمن الطيران والمحركات والأفق المفتوح، كما يكشف تفاصيل مذهلة عن البعثات الأولى إلى إنكلترا، وعن طائرات «الجبسي موث» و» الدراكون» و» الأودكس»، و « السي فيوري «، وعن السنوات التي كانت فيها القوة الجوية العراقية مشروع حلم أكثر منها مؤسسة مستقرة. وكان هؤلاء الشبان العراقيون يسافرون إلى بلاد بعيدة وهم يحملون في حقائبهم لهجة بغداد والموصل والرمادي والنجف، لكنهم يعودون وهم يحملون أيضاً معرفة جديدة وانضباطاً ورؤية مختلفة للعالم.
الجميل أن العقيد عزيز لا يكتب بعقلية المنتصر الذي يريد تمجيد نفسه، بل بعين شاهد يعرف أن الزمن يهرب، وأن الذاكرة إذا لم تدوَّن فإنها تموت بصمت، لذلك جاءت مذكراته مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي لا تجدها في كتب التاريخ الرسمية.. تفاصيل التدريب والخوف والحوادث والمنافسات بين الطيارين، وحتى خيبات السياسة وتقلبات العسكر في العراق الملكي، ولعل من أجمل ما يميز الكتاب تلك الصور التاريخية النادرة التي احتواها، وقد كان قرب المؤلفة من عائلة العقيد حفظي عزيز سبباً مهماً في الحصول على هذه الكنوز الأرشيفية، لكن ذلك لا يقلل من الجهد الواضح الذي بذلته في إعداده وتحريره ومراجعته، فالعمل لم يكن جمع أوراق متناثرة فحسب، بل كان مشروع وفاء لذاكرة رجل ومرحلة كاملة من تاريخ العراق.