رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين ينتصر القلم على القضبان


المشاهدات 1120
تاريخ الإضافة 2026/05/11 - 9:24 PM
آخر تحديث 2026/05/12 - 1:53 PM

في خطوة تحمل أبعادًا إنسانية وتربوية عميقة، كرّمت وزارة العدل العراقية ستة سجناء بعد نجاحهم في أداء الامتحانات الدراسية داخل المؤسسات الإصلاحية. وقد يبدو الخبر عابرًا للبعض، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا واسعًا للتأمل في معنى العقوبة، ومعنى الإنسان نفسه.
فالسجن، لا ينبغي أن يكون مكانًا للانتقام والعقوبة بقدر ما هو فرصة للمراجعة وإعادة البناء النفسي، وحين ينجح سجين في الدراسة، فإن الأمر لا يتعلق بورقة امتحان أو شهادة فحسب، بل بإعلان داخلي عن انتصار الإرادة على العثرة والخطأ والجنحة والجريمة، وانتصار العقل والروح على اليأس، والمستقبل على الماضي.
كثيرون يعتقدون أن الإنسان إذا أخطأ انتهى أمره، وأن المجتمع لا يمنحه فرصة ثانية. لكن التجارب الإنسانية أثبتت أن بعض البشر يخرجون من العتمة أكثر وعيًا ونضجًا. فالتعليم داخل السجون ليس ترفًا، بل وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن الجهل غالبًا ما يكون شريكًا خفيًا في صناعة الانحراف والعنف والتطرف.
إن تكريم هؤلاء السجناء يحمل رسالة مهمة، مفادها أن الدولة حين تفتح باب العلم حتى خلف القضبان، فإنها تراهن على إصلاح الإنسان لا كسره. وهذه الفكرة هي ما يميز المجتمعات الحية عن المجتمعات التي تكتفي بالعقاب وحده. فالعقوبة قد تمنع الجريمة مؤقتًا، لكن المعرفة وحدها قادرة على تغيير السلوك على المدى البعيد.
ولعل أجمل ما في المشهد أن النجاح هنا لم يكن سهلًا. فالسجين يدرس في ظروف نفسية قاسية، وسط عزلة وضغط وندم وقلق على المصير. لذلك فإن وصوله إلى قاعة الامتحان أصلًا يُعد شكلًا من أشكال المقاومة الداخلية. أما النجاح فهو إعلان بأن الإنسان يستطيع النهوض حتى من أكثر الأماكن ضيقًا.
كما أن هذا التكريم يبعث برسالة للمجتمع نفسه: لا تختزلوا البشر في أخطائهم فقط. فكم من شخص تعثر ثم استقام، وكم من إنسان وجد طريقه الحقيقي بعد سقوطه. الحياة ليست أبيض وأسود، الحياة فيها كل الالوان، والعدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تقترن بالرحمة وإتاحة الفرصة.
إن الأمم لا تُقاس فقط بعدد السجون التي تبنيها، بل بعدد الأرواح التي تنجح في إعادتها إلى الحياة. وربما كان تكريم ستة سجناء حدثًا صغيرًا في الأخبار، لكنه يحمل معنى كبيرًا: أن الكتاب قد يهزم القيود أحيانًا، وأن نافذة العلم قادرة على إدخال الضوء حتى إلى أكثر الأمكنة عتمة.


تابعنا على
تصميم وتطوير