
عندما تفتقد الدولة الادارة الاستراتيجية لقطاع الطاقة، سيتأثر حتما اداء الحكومة لهذا الملف المهم في تأثيره والهش في تركيبته لضمان امنها القومي للطاقة ، حيث يمثل ملف الطاقة الركن الاساس للاستقرار السياسي و الاقتصادي في العراق كونه مصدر الثروة الوحيد تقريباً، فالموازنات المالية العامة تعتمد اساسا على مردوداته المالية، ما يستدعي تكثيف الجهود للارتقاء به، والإعداد لامتصاص الصدمات عند إنهيار اسعار البترول ، لذلك فإنه يحتاج الى إدارة فعّالة وحكومة قوية لتشريع قانون النفط والغاز الذي ركنته التجاذبات السياسية على رفوف البرلمان لسنين للسيطرة على فوضى السياسة النفطية :
1-إعادة النظر في عقود جولات التراخيص التي اظهر انخفاض أسعار النفط هشاشتها. حيث ان كلف انتاج المتوسط الموزون لعقود الخدمة للحقول المنتجة الجديدة وكما يلي:
كلفة انتاج شركات عقود التراخيص , بمعدل انتاج اليومي 3 مليون برميل في اليوم بكلفة انتاج المتوسط الموزون 9.6 دولار لكل برميل :
(1.4 الكلف الاستثمارية+7 دولارات الكلف التشغيلية+1.2 دولار ارباح الشركات النفطية).
-كلفة الانتاج الوطني، بمعدل انتاج يومي بمقدار 700 الف برميل يوميا و بمعدل كلفة 1.25 دولار لكل برميل.
-كلفة عقود المشاركة في اقليم كردستان, وبمعدل انتاج اليومي 650 الف برميل بمعدل كلفة 20 دولارا لكل برميل.
2- اتفاق منظمة دول الأوبك على تخفيض الإنتاج، كانت له تأثيراته على أسعار النفط في السوق، من خلال الزيادة الملحوظة في الأسعار خلال الأشهر الثلاثة الماضية، والاتفاق كان له وزنه في متغيرات السوق، بالرغم من أن انتاج دول المنظمة، لا تشكل إلا قرابة الثلث من الإنتاج العالمي. والعبرة تكمن في استمراره و التزام الدول المنتجة بحصصها. ومن الملاحظ في هذا السياق، أن العراق اصبح نقطة التوازن في المنظمة ولاعباً مؤثراً، سيزداد تأثيره بفعل إنتاجه وتصديره وزيادة احتياطاته وعلاقاته.
ان الانخفاض السريع او “الصدمة” في إيرادات تصدير النفط كانت تبعاته سيّئة على الدول الأعضاء في اوبك خلال السنوات الماضية و أصبح عاملاً مؤثرا في استقرارها السياسي والاقتصادي, وخاصة من الصدمة الاعنف والاخيرة في عام ٢٠٢٠ التي افقدت العراق عائدات بمعدل 40 دولاراً في اليوم لكل برميل نفط خام مصدّر، إذ ان خسارة دولار واحد عن كل برميل مصدر تعني خسارة الايرادات النفطية مبلغا سنويا مقداره واحد مليار دولار. ولقد كان متوقعا في ضوء هذه الصدمات ان تعتمد ادارة منظمة اوبك آلية واضحة لاستشعار الوضع السعري لسوق الطاقة العالمي في مراحله المستقرة والمتأرجحة بناءً على استقراء حجم المعروض الخزني الحقيقي او “الوهمي”، وان لا تعمل بسياسة اطفاء الحرائق في امتصاص الصدمات بأن تلجأ لإلزام البعض من الاعضاء المنتجين الكبار بسقوف انتاجية محددة لتقليل تخمة المعروض وتعديل اسعار النفط في سوق الطاقة.
لقد كشفت هذه الصدمة المميتة غياب دور منظمة اوبك في المساهمة في استقرار سوق الطاقة العالمي، حيث كان ممكنا ان تستعيد اوبك عافيتها وتفرض الالتزام بقراراتها لو أنّها اصغت الى اصوات من داخل المنظمة طالبت بتعديل سياستها النفطية وتحصين المؤسسات التسويقية لاعضائها من مرضها تحسبا لتعرضهم “لصدمات” مميتة.
كما ان الادارات العراقية تتحمل مسؤوليّة الانهيار في الايرادات النفطية السابقة بسبب تأخرها وتقاعسها عن التنسيق الجانبي مع المملكة العربية السعودية كونها المنتج الاكبر في المنظمة ومع روسيا كونها الشريك الاكبرمن خارج المنظمة لايقاف حرب الاسعار.
3-ان تشريع قانون النفط و الغاز اصبح ضرورة اساسية لإدارة انتاج النفط والغاز و تطويرهما ، وخسر العراق فرصة تأريخية بعدم تمرير القانون الذي أقره مجلس الوزراء في شباط 2007، فقد خضع لسجالات سياسية أضاعت توفير اطار قانوني وإداري للثروة النفطية، واصبح القانون بصيغته القديمة، غير مجديا الآن. حيث يحتاج تفكيك القانون الى مفاصل أساسية ثلاثة: الأول تنظيم العلاقة بين المركز والإقليم والمحافظات المنتجة، والثانية تنظيم الاستثمار الوطني في القطاع النفطي، والثالث تنظيم الاستثمار الأجنبي.
4-الصناعة النفطية واستراتيجية وزارة النفط الاستخراجية: ان وزارة النفط ركزت في استراتيجيتها على تطوير قطاع استخراج النفط الخام وزيادة انتاجه لغرض الوصول الى اعلى طاقات متاحة من خلال جولات التراخيص، ولم تول الوزارة اهتمامها في الصناعة النفطية المتمثلة بصناعة المشتقات النفطية والغاز والتي تمثل الامن القومي والاستراتيجي للطاقة والصناعة والذي تتوقف عليها اساساً انتاج الطاقة الكهربائية والبتروكيمياويات والصناعات الاستراتيجية الاخرى، إذ ان الشركات العالمية المتخصصة الاستثمارية النفطية ابتعدت عن المشاركة في بناء وتطوير صناعة المشتقات النفطية في العراق لشعورها بعدم الجدية من قبل قطاع النفط العراقي المعني بسياسة تطوير هذه الصناعة وتبنيها لسياسة زيادة انتاج وتصدير النفط الخام واستنزاف مكامنه.إن عدم تنفيذ وزارة النفط بالتزاماتها بتوفير المشتقات النفطية والغاز، دفعها الى استيراد المشتقات من زيت الوقود (الكازأويل) بمقدار10 ملايين لتر/يوم, و استيراد 9 ملايين لتر/ يوم من البنزين المحسن، و بسبب هذا الفشل يخسر العراق من موازنته الاتحادية ما مقداره 4 مليار دولار سنويا .
ان مجلس الوزراء العراقي سبق وان وافق في عام (2008) على انشاء ثلاث مصافي في (كركوك والعمارة وكربلاء) بسعة (150) الف برميل/ يوميا وتكليف شركة (شو) الامريكية على اعداد التصاميم بمبلغ (150) مليون دولار.
اضافة الى تكليف شركة فوستر ويلر الامريكية بانجاز تصاميم مصفى الناصرية بكلفة 150 مليون دولار ليكون بسعة 300 الف برميل والذي تم الغاؤه وتحويل موقعه الى مدينة الفاو الصناعية لاحقا.و بسبب تأخير التنفيذ لهذه المشاريع، اصبحت هذه التصاميم غير مناسبة وهدرت اموالها والجهود التي اعدتها.
وتأمل حاليا الشركات المتخصصة في الصناعة النفطية خاصةً في بناء المصافي الاستثمارية الكبيرة مشاركتها في بناء مشاريع الاستثمار في قطاع الصناعة النفطية العراقي الذي لا يزال غامضا وخجولا، بنهوض الدولة بهذا القطاع من خلال: ( التفعيل الجدي لقانون الاستثمار للمشتقات النفطية)، وتشجيع الشركات المتخصصة للمساهمة في تطويره. حيث ستستمر معاناة قطاع الكهرباء والقطاع الصناعي والمواطن من نقص في امدادات انواع الوقود ولسنوات قادمة إذا استمرت السياسة النفطية بأستراتيجيتها الحالية.
5-قانون شركة النفط الوطنية: وزارة النفط سبق أن أعدت نسخة من قانون شركة النفط الوطنية بعد أن إتسع نطاق عمل الصناعة الاستخراجية، لذا من الضروري أن يتم ترشيق عمل الوزارة لتكون مسؤولياتها وضع السياسات والتخطيط والتسويق للوزارة، وأن تشكل مؤسسات أخرى كشركة وطنية عامة أخرى للمصافي، واخرى للغاز مع توسيع مهام شركة خطوط الأنابيب الوطنية والإبقاء على شركة سومو ضمن كيان وزارة النفط كون مهمتها سيادية معنية بتسويق السلعة السيادية الوحيدة في البلد وفق المادة الدستورية 110 أولا، لتكون شركة سومو من ضمن تشكيل سيادي تجنبا من تجميد أموالها المنقولة وغير المنقولة بسبب أحكام قضائية دولية عند حدوث مخالفات تسويقية اقليمية، وفق هذه الأسس وأسس موضوعية ذات طبيعة قانونية وفنية، تم اعداد صياغة مسودة قانون شركة النفط الوطنية من قبل وزارة النفط ونخبة من المختصين العراقيين. لم تعتمد هذه المسودة من قبل مجلس الوزراء، وتم استخدامها من قبل مجلس النواب بعد إجراء العديد من التغييرات بما ينسجم مع الرغبات السياسية للكتل من تفريغها من أهم أهدافها (تمكين شركة النفط الوطنية من القيام بتطوير الحقول وبناء منظومات تجميع النفط ومعالجته وتصديره بالجهد الوطني)، لتكون مسؤولية شركة النفط الوطنية فقط عن إدارة المال العام .
مما يتطلب مراجعة قانونها واعتبارها شركة قابضة تنظيمية مملوكة للدولة، بما يتعلق بالصناعة الاستخراجية وحسب الصيغة التي اعدتها وزارة النفط من قبل مجلس الدولة.