
في لحظة سياسية شديدة الحساسية تزامنت مع زيارة ترمب الى الصين خرج الرئيس الامريكي بتصريح لافت حين أكد أن استئناف العملية العسكرية ضد ايران ليس سوى مسألة وقت وان الولايات المتحدة ليست على عجلة من امرها، وهذا التصريح لم يكن عابرا بقدر ما كشف عن وجود ترتيبات استراتيجية اعمق من مجرد تحضير لضربة عسكرية محدودة، اذ ان التريث الامريكي يعكس حجم الحسابات المرتبطة بتوازنات المنطقة وتشابك المصالح الدولية خصوصا مع الصين وروسيا والدول الخليجية، وهو ما يفتح المجال لفهم ابعاد التحركات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الاخيرة بما فيها زيارة الموساد الى الامارات والتصعيد الاعلامي بين مصر والجزائر والتوترات المتصاعدة في الخليج ،
التحضيرات الامريكية لا تبدو موجهة نحو رد عسكري تقليدي وانما نحو عملية واسعة تستهدف اولا البرنامج النووي الايراني ثم البنية الصاروخية بعيدة المدى التي تعدها واشنطن الخطر الاكبر على قواعدها وحلفائها في المنطقة، ولهذا جاءت التحركات العسكرية الاخيرة ذات دلالات واضحة خصوصا بعد عبور الغواصة النووية الاسكا مضيق جبل طارق باتجاه شرق البحر الابيض المتوسط، في خطوة تعكس الاستعداد لمرحلة عملياتية قد تشمل استخدام قدرات استراتيجية عالية التدمير، غير ان السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لم تنفذ واشنطن هذه الضربات خلال الحرب السابقة، ولماذا اختارت التريث رغم امتلاكها القدرة العسكرية؟.
بحسب العديد من التقارير فإن الولايات المتحدة واجهت معضلة تتعلق بمخزون القنابل الخارقة للتحصينات وهي القنابل القادرة على اختراق المنشآت العسكرية المحصنة تحت الارض وتدمير مراكز الصواريخ والمنشآت النووية الايرانية، حيث تخشى واشنطن من استنزاف هذا النوع من الذخائر في وقت لا تزال فيه احتمالات المواجهة مع الصين قائمة، ولهذا كان من الضروري بالنسبة للادارة الامريكية الوصول الى تفاهمات مع بكين تضمن عدم انفجار صراع مواز في جنوب اسيا بالتزامن مع اي حرب جديدة ضد ايران، خصوصا ان جزءا من هذه القنابل يتمركز حاليا في قواعد بريطانية، ومن المتوقع نقله لاحقا الى منطقة الخليج ضمن ترتيبات دفاعية تشارك فيها بريطانيا وفرنسا و44 دولة اخرى من بينها البحرين واستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي دول ترتبط استراتيجيا بالمواجهة مع الصين اكثر مما ترتبط بالصراع مع ايران.
ومن هنا يمكن فهم سبب حرص واشنطن على بناء تحالف واسع يمنح اي عملية عسكرية غطاء سياسيا وقانونيا تحت عنوان الدفاع الجماعي وليس الحرب الهجومية، فإشراك دول خليجية في هذا التحالف يهدف الى تقديم المواجهة باعتبارها حماية للممرات البحرية وامن الطاقة العالمي في حين ترى ايران ان ما يجري هو عدوان مباشر يستهدف وجودها الاستراتيجي، ولهذا لجأت طهران الى التصعيد القانوني عبر رفع دعوى في محكمة لاهاي ضد الولايات المتحدة بسبب استهداف منشآتها النووية والعقوبات المفروضة عليها. كما لوحت برفع نسبة تخصيب اليورانيوم الى تسعين بالمئة 90 % اذا تعرضت لأي ضربة جديدة وهو تهديد يعكس انتقال الصراع من مرحلة الردع السياسي الى حافة المواجهة المفتوحة.
الموقف الروسي بدوره كشف حجم المخاوف من طبيعة المرحلة المقبلة حيث حذر وزير الخارجية الروسي لافاروف من ان التحالفات العسكرية الجديدة قد تتحول الى مقدمة لاقتتال عربي ايراني واسع، واشار الى ان من بين اهداف واشنطن غير المعلنة منع اي تقارب محتمل بين ايران والدول العربية ودفع المنطقة نحو استقطاب حاد يجبر الدول الخليجية على الانخراط في المواجهة بشكل مباشر خصوصا إذا ادى التصعيد الى اغلاق مضيق هرمز وما يرافق ذلك من تهديد لحركة النفط والتجارة العالمية.. وفي هذا السياق يصبح تسريب اسرائيل لمعلومات تتعلق بالتعاون الاستخباراتي والعسكري مع الامارات خطوة ذات ابعاد سياسية ونفسية تتجاوز الجانب الامني المباشر، فقد تحدثت تقارير اسرائيلية عن زيارات اجراها الموساد الى الامارات خلال فترة الحرب بهدف التنسيق الدفاعي والاستخباراتي. كما جرى الحديث عن عمليات سرية استهدفت منشآت ايرانية بينها مصفى نفطي في جزيرة ايرانية في حين اشارت تقارير اخرى الى مشاركة سعودية في الرد على هجمات ايرانية خلال نهاية شهر مارس بينما تصاعد التوتر بين الكويت وايران بعد اعلان الكويت رصد تسلل عناصر من الحرس الثوري الى جزيرة كويتية وهو ما نفته طهران، مؤكدة ان دخول المياه الكويتية جاء نتيجة خلل في منظومة الملاحة البحرية بالتزامن مع ذلك رصدت الاقمار الصناعية نشر قاذفات استراتيجية قرب قاعدة العديد في قطر، وهي تحركات توحي بأن المنطقة دخلت فعليا مرحلة الاستعداد العسكري المباشر ، غير ان اخطر ما في المشهد الحالي لا يتعلق فقط بالمواجهة مع ايران وانما بما قد يليها من صراعات اعادة تشكيل النفوذ في الشرق الاوسط فالتوترات الاعلامية والسياسية بين مصر والجزائر بعد زيارة السيسي الى الامارات لا يمكن فصلها عن محاولات خلق اصطفافات جديدة داخل العالم العربي، خصوصا ان القاهرة والجزائر تمثلان ثقلا اقليميا يسعى للحفاظ على توازن المنطقة ومنع محاولات تطويقها عبر الفوضى والجماعات المسلحة الممتدة من السودان الى ليبيا ومالي، ولهذا فإن اي محاولة لإحداث شرخ بين البلدين تبدو جزءا من مشروع اوسع يستهدف اضعاف مراكز التوازن العربية التقليدية.
وفي العمق تقف اسرائيل باعتبارها المستفيد الاكبر من اعادة تشكيل المنطقة حيث تعمل على ترسيخ مشروع اقتصادي واستراتيجي يبدأ من الهند مرورا بموانئ الامارات وصولا الى البحر الاحمر ثم الموانئ الاسرائيلية التي تسعى لتحويلها الى مركز رئيسي للتجارة مع اوروبا، ومن خلال هذا المشروع تحاول تل ابيب تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري بما يضمن لها موقع القوة المهيمنة في المنطقة خلال العقود المقبلة، غير ان هذا المشروع يصطدم بحسابات دول كبرى في المنطقة، وفي مقدمتها مصر التي تدرك ان اي توسع اسرائيلي استراتيجي قد يتحول مستقبلا الى تهديد مباشر لأمنها القومي خصوصا مع تصاعد الخطاب المرتبط بالمشاريع الدينية والتوسعية الاسرائيلية، ولهذا يبدو ان المنطقة لا تتجه نحو حرب تقليدية محدودة ضد ايران فقط، وانما نحو مرحلة اعادة رسم شاملة للتحالفات وموازين القوى حيث يجري حاليا تهيئة البيئة السياسية والعسكرية والاعلامية لصراعات قد تستمر لسنوات، وتعيد تشكيل الشرق الاوسط وفق معادلات جديدة تتداخل فيها المصالح الدولية مع المشاريع الاقليمية والطموحات الجيوسياسية في واحدة من اخطر المراحل التي تمر بها المنطقة منذ عقود .