رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
أوروبا تجرب التنطع المحسوب في إطار الامتثال المرسوم


المشاهدات 1032
تاريخ الإضافة 2026/05/23 - 9:43 PM
آخر تحديث 2026/05/23 - 11:06 PM

ساعات قليلة بعد أن أدلت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية الأمنية السيدة كايا كالاس بتصريحات قوية ضد كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة بعدما اتهمتهم بالرغبة في تفكيك الاتحاد الأوروبي، لأن الاتحاد يكون قوياً عندما يكون موحدا، وبأن هذه الدول لا تحب الاتحاد الأوروبي، اتفق أعضاء البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء على الشروع في تنفيذ الاتفاق التجاري الذي تم التوقيع عليه بين بروكسيل وواشنطن العام الماضي، في إشارة واضحة إلى رضوخ الاتحاد الأوروبي لتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي لوّح بها ضد دول هذا الاتحاد في حال عدم تنفيذ هذا الاتفاق، وذلك بفرض رسوم جمركية جديدة على صادراتها إذا لم ينجز الاتحاد الاتفاق الذي أبرمه الطرفان خلال شهر أيلول، الذي يقضي بفرض رسوم بنسبة 15 بالمائة على معظم السلع الأوروبية، وفي مقابل ذلك إلغاء الرسوم المفروضة على معظم الواردات الأمريكية بحلول الرابع من شهر أيلول المقبل .
أن تتهم كايا كالاس روسيا والصين بأنهما لا تحبان الاتحاد الأوروبي، وترغبان في تفكيكه، فهذا تحصيل حاصل، لكن أن تدرج المسؤولة الأوروبية حليفتها التاريخية والاستراتيجية الولايات المتحدة في نفس خانة روسيا وبكين في معاداتها للاتحاد الأوروبي، وموازاةً مع ذلك ترضخ الدول الأوروبية لإملاءات الإدارة الأمريكية في قضية استراتيجية تتعلق بالتبادل التجاري بين الطرفين، فإن ذلك لا يعني غير حالة الضعف في موازين القوى بين دول القارة العجوز وواشنطن .
أما كيف اختلت موازين القوى الثنائية بين الطرفين؟ فهذا هو السؤال الجوهري الذي يطرح بإلحاح في ضوء ما يبدو في شكله تمردًا من جانب الاتحاد الأوروبي على الحليف الاستراتيجي والتاريخي .
والجواب يبدأ بكل تأكيد بالقول إن الدول الأوروبية، كانت تمثل خلال عقود مضت قوة اقتصادية وأمنية وعسكرية يستحيل تجاهلها في العلاقات الدولية السائدة آنذاك، قبلت، أو فرضت عليها الشروط التي سادت في مرحلة معينة، أن تصبح قوة جهوية موالية للولايات المتحدة الأمريكية في كل ما تقرره، وفي كل ما تقدره يخدم مصالحها الاستراتيجية في العالم.
حدث هذا في عدد من الحروب والغزوات التي خاصتها الولايات المتحدة في العديد من أرجاء العالم، وحدث حينما قبلت الدول الأوروبية بخوض حروب إنابة في محيطها الجغرافي بإملاء من واشنطن، وحدث هذا حينما تهافت قادة الدول الأوروبية عبر عقود من الزمن إلى تأييد ومناصرة جميع القرارات التي كانت تتخذ وتعلن هناك في واشنطن.. إلى أن تحولت دول قارة الثورات الصناعية والثقافية والدينية إلى ما يشبه ملحقة للولايات المتحدة يسمع فيها رجع صدى للقرارات الأمريكية .
وربما كانت هذه الحقيقة معتمة ومخفية في سياسة أمريكية ناعمة مجاملة للحلفاء الأوروبيين، إلا أن وضوح سياسة ترامب في الدافع على المصالح الأمريكية ببراغماتية تتخذ شكل العنف اللفظي والمادي في بعض الأحيان، عرت هذه الحقيقة ووضعت قادة الدول الأوروبية في وضعية ارتباك، لا هم قادرون على مواجهة مباشرة لإعادة ترتيب موازين القوى بين الطرفين، ولا هم باستطاعتهم رفض الإملاءات الأمريكية المتكررة، والأدهى من كل ذلك لا هم مؤهلون سياسيًا وفكريًا ومعرفيًا على مواجهة التحديات المعقدة في علاقات دولية انتقلت بالعالم إلى مرحلة اللايقين واللاعودة إلى ما كان عليه النظام العالمي في أزمنة ماضية. 
لذلك نفهم اليوم كيف تتهم مسؤولة سامية في الاتحاد الأوروبي الولاياتَ المتحدة بالرغبة في تفكيك الاتحاد، لكنها نفس الجهة التي تسارع بتنفيذ اتفاق مع واشنطن صاغت مضامينه الإدارة الأمريكية، وحددت آجالاً للامتثال إليه تحت التهديد بالإكراه.


تابعنا على
تصميم وتطوير