رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عبد الصاحب نعمة رائد مسرحي ترك بصمة في مسيرة الفن العراقي


المشاهدات 1033
تاريخ الإضافة 2026/05/23 - 9:46 PM
آخر تحديث 2026/05/23 - 11:06 PM

الفنان الراحل عبد الصاحب نعمة هو احدى القامات البارزة في المسرح والدراما العراقية، حيث عُرف كـممثل، ومخرج، وأكاديمي، ترك بصمة واضحة في مسيرة الفن العراقي. ولد الفنان الراحل الدكتور عبد الصاحب نعمة في مدينة بابل بقضاء الاسكندرية ، والتحق بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وأكمل دراسته في قسم الفنون المسرحية عام 197 ، وحصل على شهادة الماجستير للفنون المسرحية عن رسالته بعنوان (فن الممثل في العراق). كما حصل على شهادة الدكتوراه عبر رسالته الموسومة (مفهوم السينوغرافيا في العرض المسرحي)... 

قدّم أكثر من مئة عمل فني في مجالات المسرح والتلفزيون والسينما نذكر منها (روميو وجوليت، طير السعد ، غوريلا يا ناس، مكبث ، هيروسترات) وغيرها. كما مثل عدة أفلام سينمائية منها (يوم آخر) و(سحابة صيف) وغيرها .
عمل أستاذا للمسرح في قسم التربية الفنية بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، ومارس البحث الأكاديمي وله العديد من البحوث والكتابات النقدية والمقالات ، وهو متزوج ولديه ولدان هما : (مؤنس ومؤمن) ... آخر عمل تلفزيوني مثل هو (سبع عيون) مع المخرج أركان جهاد.
التحق بالفرقة القومية للتمثيل منذ عام 1973، لذلك يلتصق الفنان المجتهد الراحل عبد الصاحب نعمة بأنه ابن المسرح العراقي مع فرقة تعد أحد أعرق وأقوى المسارح في العالم العربي، وتميزه كممثل عبر تاريخه بامتلاك قيم إبداعية استثنائية صُقلت بمرور العقود عبر الدراسة الأكاديمية الرصينة من جهة، ومواجهة التحديات السياسية والاجتماعية الكبرى التي مر بها العراق .
وتُعد الفرقة القومية للتمثيل الحجر الأساس والعمود الفقري الذي استندت إليه نهضة المسرح العراقي الحديث. فمنذ تأسيسها، تحولت من مجرد تجمع فني إلى مؤسسة حضارية قادت حركة التجديد، وخرّجت أجيالاً من المبدعين، ورسخت تقاليد مسرحية احترافية غيرت  وجه الثقافة في العراق. وخلقت مسرحا عراقيا هادفا يجمع بين الأصالة والتجريب، ويقدم عروضاً تلامس واقع المجتمع وتطلعاته، مع الانفتاح على المدارس المسرحية العالمية.
تأسست الفرقة القومية للتمثيل في عام 1968 برعاية رسمية من الدولة (تحت مظلة مصلحة السينما والمسرح آنذاك)، وجاء هذا التأسيس استجابةً للحاجة الملحة لتحويل العمل المسرحي في العراق من جهود وهوايات فردية أو فرق خاصة مشتتة، إلى عمل مؤسساتي منظم ومحترف.
وكان الرعيل الأول عند تأسيسها نخبة من عمالقة الفن المسرحي العراقي (تمثيلاً، وإخراجاً، وتأليفاً)، والذين كانوا قد تلقوا علومهم المسرحية في أكاديمية الفنون الجميلة أو في معاهد أوروبا وأمريكا، امثال: حقي الشبلي، بدري حسون فريد، يوسف العاني، سامي عبد الحميد، قاسم محمد، جعفر السعدي، وإبراهيم جلال، وغيرهم.
وقد حاولت الفرقة منذ البداية باحتضان المواهب الشابة المتخرجين حديثا من معهد وكلية الفنون الجميلة / قسم المسرح الفرقة من اجل تنمية وتطوير المسرح العراقي، وقد تعدّدت أبعاد التأثير الذي أحدثته الفرقة القومية، ويمكن تلخيص أبرز أدوارها التنموية في ترسيخ مفهوم «الاحتراف المسرحي» من خلال بنية تحتية متكاملة (مسارح مجهزة، ورش للديكور والأزياء، تقنيات إضاءة وصوت حديثة).
وكانت الفرقة واثناء التأسيس، تعتمد بشكل كبير على الهواة والفرق الأهلية الفردية التي تعاني من نقص التمويل والمقرات الثابتة.. الفرقة وفرت رواتب شهرية ثابتة للممثلين والفنيين، مما جعل «المسرح» مهنة يعيش منها الفنان ويتفرغ لها تماماً. واستقطاب الخريجين المتميزين من أكاديمية الفنون الجميلة ومعهد الفنون الجميلة بانتظام، وإعطاء الفرصة للشباب في القيادة (إخراجاً وتأليفاً وتمثيلاً)، مما خلق تلاقحاً عبقرياً بين خبرة الرواد وحماسة وتجريب الشباب (مثل جيل جواد الشكرجي، مقداد مسلم عبد الصاحب نعمة ،عبد المطلب السنيد، شذى سالم، محمود أبو العباس، وعواطف نعيم).
نجحت الفرقة في إحداث توازن فريد في ريبرتوارها (قائمة عروضها): المسرح العالمي: قدمت روائع المسرح العالمي (لشكسبير، وموليير، وبريشت، وتشيخوف) برؤية عراقية واعية، مما ساهم في تثقيف الجمهور العراقي وربطه بالثقافة الإنسانية.
قادت الفرقة القومية حركة الانفتاح المسرحي العراقي على المحيط العربي والدولي من خلال المشاركة في مهرجانات كبرى (مثل مهرجان دمشق المسرحي، ومهرجان قرطاج)، وحصدت عروضها الجوائز الأولى، مما جعل المسرح العراقي يُصنف كأحد أقوى وأرصن المسارح العربية في فترة السبعينيات والثمانينيات.
نعم، لم تكن الفرقة القومية للتمثيل مجرد فرقة تنتج مسرحيات، بل كانت «المدرسة الأم» التي صاغت الملامح الجمالية والفكرية للمسرح العراقي، وحافظت على مستواه الأكاديمي الرفيع حتى في أصعب الظروف التي مر بها العراق.
وهنا تجلت القيم الإبداعية للممثل عبد الصاحب كونه ابن المدرسة المسرحية الواقعية التعبيرية الذي فيها يكون الممثل العراقي ليس مجرد هاوٍ في الغالب، بل هو نتاج معاهد وكليات الفنون الجميلة (مثل جامعة بغداد).. تأثر الجيل الأول والوسط بمناهج عالمية مثل منهج «ستانيسلافسكي» في المعايشة، ومسرح «برشت» الملحمي، مما منحه قدرة عالية على تشريح الشخصية وفهم أبعادها النفسية قبل تجسيدها. إضافة الى ما تعلمه من البلاغة اللغوية والجسدية وبإتقان نطق اللغة العربية الفصحى ومخارج الحروف، إلى جانب مرونة جسدية عالية قادرة على التعبير في المسرح التجريبي والتعبيري، ثم  الصدق، فالممثل وخريج الدراسة الأكاديمية عبد الصاحب نعمة يمتلك قدرة مذهلة على تحويل الألم والمعاناة الإنسانية إلى طاقة إبداعية على الخشبة.. أداؤه مشحون بالعاطفة الصادقة وغير المفتعلة، وهو ما يجعل المشاهد (العراقي أو العربي) يتماهى سريعاً مع الشخصية.
ولعل نجاح وتألق عبد الصاحب نعمة سريعا كممثل في المسرح العراقي كونه يستند على مقومات واصول معرفية  في التعليم الأكاديمي، فهو لم يكن مجرد ممثل هاوٍ، بل كان أكاديمياً متخصصاً؛ حصل على شهادة الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وعمل أستاذاً جامعياً فيها (أشرف على العديد من الأطاريح والرسائل ودرّس مادة الصوت والإلقاء).
أما في الجانب النظري فله مؤلفات وبحوث متخصصة في المسرح، من أشهرها كتاب «التشكيل الحركي: الميزانسين في العرض المسرحي». كما تنوعت مشاركاته بين المسرح الجاد، السينما، والدراما التلفزيونية، وكان عضواً فاعلاً في الفرقة القومية للتمثيل: في المسرح (تمثيلاً وإخراجاً): شارك في العديد من المسرحيات البارزة مثل: كان ياما كان (1978)، التقرير (1979)، جزيرة أفروديت (1980)، المزمار السحري (1984)، السيف والطبل (1988)، وهيروسترات (2000). قام بإخراج مسرحية غوريلا يا ناس عام 1997.
في التلفزيون والسينما: مسلسلاته المعروفة: يوم آخر (1979)، عالم الست وهيبة (1998)، رجل فوق الشبهات (2000)، والأصمعي (2003). وكان آخر عمل تلفزيوني ظهر فيه هو مسلسل سبع عيون (2005) مع المخرج أركان جهاد.
في السينما، شارك في أفلام مثل: الوداع الأخير (1991) والهروب إلى المجهول (1992).
بالإضافة الى كل ذلك يتمتع الممثل والمخرج عبد الصاحب نعمة بخصوصية إبداعية عالية استمدها من عمق التاريخ الحضاري للعراق، ومن الظروف السياسية والاجتماعية المعقدة التي صقلت أداءه وجعلته صوتاً حياً ومعبراً عن روح الشارع، إذ تتجلى القيم الإبداعية في عدة ركائز أساسية منها : القيمة التعبيرية (الجسد والصوت) يُعرف الممثل العراقي بقوة «التعبير الجسدي» والمهارة العالية في تطويع الحنجرة.. البلاغة الصوتية: التمكن من مخارج الحروف وقوة الإلقاء، وهي ميزة أصيلة نابعة من الارتباط بالشعر والخطابة في الثقافة العراقية.
الجسد الدرامي: يميل الممثل العراقي إلى الأداء الذي يدمج بين الواقعية الرمزية والتعبيرية، حيث يصبح الجسد أداة لنقل المشاعر العميقة التي قد تعجز الكلمات عن وصفها (كما في عروض الفرقة القومية).
يؤمن الممثل العراقي أن دوره يتجاوز الترفيه ليصل إلى «التثوير» والتنوير. لذا، غالباً ما ترتبط إبداعاته بقضايا الحرية، العدالة، ومواجهة الاستبداد. «المقاومة بالجمال» (الإبداع وسط الأزمات)، هذه القيمة هي الأكثر تميزاً للفنان الراحل عبد الصاحب نعمة؛ القدرة على العطاء تحت القصف، وفي ظل الحصار، أو في ظروف النزوح والغربة.
ان الاستمرارية في اصرار المسرح العراقي ان يظل نابضاً رغم كل الحروب، وهي قيمة إبداعية تعكس صموداً فنياً نادراً. وهذا جيل ينتمي اليه عبد الصاحب نعمة وغيره من الذين عانوا من ويلات الحروب والحصار . فالممثل العراقي لا «يمثل» الدور، بل «يكابده»؛ فحمولته النفسية والذاكرة الجمعية الحافلة بالأحداث تجعل من أدائه طاقة شعورية صادقة تمنحه بصمة فريدة في خارطة المسرح العربي والعالمي.
كما تميز الراحل نعمة في تجسيد الشخصيات المستمدة من البيئة المحلية (البغدادية، الجنوبية، الكردية، وغيرها)، وتوظيف «الحكواتي» أو المقامات والأهازيج الشعبية ضمن العروض الحديثة لتعزيز الهوية الوطنية، والانتقال بين التراجيديا والكوميديا ببراعة بين أشد أدوار الحزن والتراجيديا (كما في مسرحيات غوريلا يا ناس، مكبث ، هيروسترات) وبين الكوميديا السوداء الساخرة التي تنقد الواقع السياسي والاجتماعي.
لم ينغلق الممثل الفنان المجرب عبد الصاحب نعمة ممثلا ومخرجا وأحيانا مؤلفا في قالب واحد؛ بل تجده مبدعاً في مسرح الواقع، مسرح المونودراما (الممثل الواحد)، والمسرح الاحتفالي.
كان الفنان القدير عبد الصحب نعمة يلتزم بأن المسرح يقوم المسرح في جوهره على مجموعة من القيم الفنية، الإنسانية، والاجتماعية التي تجعل من التمثيل وسيلة للتعبير والتغيير، وليس مجرد تسلية.. ففي القيم الفنية والجمالية فإن الصدق الفني (الإيهام بالواقع)  تؤكد على قدرة الفنان عبد الصاحب على إقناع الجمهور بالشخصية ومشاعرها لدرجة تجعل المتلقي ينسى أنه يتابع عملاً تمثيلياً، وهو ما يُعرف بـ «المعايشة» عند ستانيسلافسكي. فكان ممثلا واقعيا في مسرحيات ( كان يا مكان ، السيف والطبل ، جزيرة فردويت )، ومخرجا فلسفيا في إخراجه لمسرحية «غوريلا يا ناس « عام 1997 والتي كانت صرخة تدعو للتفكير والعقل عما كان يحدث من مآسٍ ونكبات للمجتمع العراقي سياسيا واجتماعيا 
كما ان التناغم والعمل الجماعي كون المسرح ليس عرضاً فردياً؛ قيمة التمثيل تكمن في «الهارموني» أو التناغم بين الممثلين (الفعل ورد الفعل) وبينهم وبين عناصر العرض الأخرى (الإضاءة، الديكور، والموسيقى). ثم الإبداع والارتجال المدروس في قدرة الممثل على تجديد أدائه في كل ليلة عرض، وتطوير أبعاد الشخصية دون الإخلال برؤية المخرج.
كان الفنان عبد الصاحب يدرك ان التعاطف والتطهير النفسي يتيح التمثيل للممثل (وللجمهور لاحقاً) تقمص حيوات ومشاعر مختلفة (فرح، حزن، غضب)، مما يساهم في عملية «التطهير» (Catharsis) ومشاركة الوجدان الإنساني، فهو يفهم الطبيعة البشرية التي يتطلب التمثيل من الممثل دراسة عميقة للدوافع النفسية والسلوكية للبشر لفهم وتجسيد الشخصيات الشريرة، الخيرة، أو المركبة.
أما القيم الاجتماعية والتنويرية فقد خبرها من اساتذته في التمثيل والإخراج وفي المسرحية التي شارك فيها، فهي طرح قضايا المجتمع كونه يؤمن بأن التمثيل في المسرح هو مرآة للمجتمع؛ يسلط الضوء على الأزمات السياسية، الاقتصادية، والأخلاقية، ويحفز الجمهور على التفكير والنقد، من خلال التواصل الحي المباشر كون القيمة الأجمل للمسرح هي غياب الحواجز فهذا التواصل المباشر يخلق طاقة شعورية متبادلة وفورية بين الممثل والجمهور لا تتوفر في أي وسيط فني آخر.
لقد سعى الممثل والمخرج عبد الصاحب الى تطوير الذات والانضباط عند التمثيل والممثلين (خاصة الهواة والشباب) الشجاعة، مواجهة الجمهور، الثقة بالنفس، والالتزام الصارم بالوقت والحركة. فقيمة التمثيل في المسرح لا تُقاس بالشهرة أو النجومية، بل بمدى قدرة الممثل على تحويل «النص المكتوب» إلى «حياة نابضة» على الخشبة، تلمس عقول وقلوب الحاضرين، وتترك فيهم أثراً بعد إسدال الستار. أما قصة وفاته فتلك قصة مؤلمة .. للفنان عبد الصاحب نعمة .. ذلك الطائر البابلي  الذي بدأ التحليق وسط تلك الريح العاتية عبر المسرح ، لا يعرف سوى البسمة ، انتقل الى حارات الإسكندرية (القصبة القديمة) حيث صوت القطار وارتجاف اركان بيته القديم، ليتلاشى ذلك الصوت الى اخر محطة، يستفيق ويخرج من واقع زاخر بالضجيج، ليغادر الى بغداد ، ليدخل الى عالم الفن والابداع والأصالة.. في جامعة بغداد – كلية الفنون الجميلة ، اكمل رحلته الدراسية ونال شهادة الدكتوراه في الأخراج المسرحي، قسم التربية الفنية، شغل رئاسة القسم لعدة سنوات، شارك في مهرجانات عربية للعروض المسرحية ( الكويت ، لبنان ، بولنده) استمرت الحياة بشكلها الطبيعي ولكن أصابه التعب والاجهاد بعد ان ألمت به ذبحة صدرية قدرت له ان يكون مقلاً بأعماله الفنية ، وهو مستمر في التحليق في سماء الدراما العراقية، أراد له القدر أن يقدم مسرحيته الاخيرة ليتطهر من كل تلك الهموم والاحزان في المسبح الأولمبي وهو يمارس السباحة وضحكة تعلو كبد السماء مع اولاده الصغار ، ليغطس ولا يظهر إلا وهو في قاع ذلك المسبح.. رحل في مياه تلك الأمنيات لتنطوي معه ذكرى جميلة من ذاكرة المسرح والدراما .
 


تابعنا على
تصميم وتطوير