
ليس نهر دجلة مجرد مجرى مائي يعبر بغداد صوب شط العرب، بل هو أرشيف العراق المفتوح على مصراعيه، أمين سرّ لا يحفظ الأسرار بل يبتلعها.
عام 1256م، حين أمر هولاكو بإغراق كتب بيت الحكمة في دجلة، لم يكن النهر شاهداً سلبياً. لقد استقبل الكتب بكل رحابة صدر، فحوّل مداده إلى حبر، وحبره إلى سواد يخيم على المدينة سبعة أيام. منذ ذلك الحين، تخصص دجلة في أمرين: دفن الحضارة، وصبغ التاريخ بالأسود.
قفز الزمان قروناً، فإذا بدجلة يواجه دفعة جديدة من الضحايا. شباب سبايكر هربوا من رصاص الإرهاب فاستقبلهم النهر بموجه. لم يكن نهراً بقدر ما كان دفتر حضور إجباري؛ كل دوامة توقيع، وكل موجة ختم «تم الاستلام». تسأل عنه الدولة فيجيب النهر: «عندي، ولكنني لا أُعيد».
أما اليوم، فقد تقاعد دجلة عن حمل الأثقال التاريخية، وانصرف إلى ما يشبه «خدمة التوصيل» للمهزلة. بطوط سوق الغزل، البسطيات، المقاطع المبتذلة، الفضائح اليومية... كلها يمررها النهر في تياره. صار دجلة أشبه بتطبيق تواصل اجتماعي عراقي: يجمع التافه والعميق، يخلطه، ثم يقذفه إلى العلن تحت عنوان «ترند».
من مداد ابن العلقمي إلى دماء سبايكر إلى ضجيج بطوط... دجلة هو الذاكرة الوحيدة التي لا تُفرمت في العراق. لكن مأساته أنه ذاكرة من نوع «الحذف النهائي»؛ يخزّن ولا يسترجع، يبتلع ولا يبوح.
فإذا رأيت لون النهر قاتماً، فلا تتعجل باتهام التلوث. إنه دجلة وحسب، يقلّب صفحاته القديمة ويقول بلسان حاله: «حملت عنكم كل شيء، من المتنبي إلى التيك توكر... فمن يحمل عني؟...».